معطيان يبني عليهما رئيس مجلس النواب نبيه بري لكي يطلق أمام فريق العمل في عين التينة استنتاجاً واعداً على قدر من الإيجابية والارتياح على نحو يعاكس الى حدّ بعيد مناخات الاحتقان والغليان التي سادت خصوصاً عقب حادث كوع الكحالة.
أول هذين المعطيين وفق الفريق نفسه، يتصل بمآلات الحوار الذي كان لبرّي قصب السبق في الدعوة إليه وحمل رايته انطلاقاً من كونه معبراً إلزامياً لملء الشغور الرئاسي مدخلاً أساسياً لإخراج البلاد من شرنقة أزمتها قبل فوات الأوان.
ليس جديداً القول إن معارضي برّي نجحوا في الأشهر التي تلت إطلاق دعوته، في شن هجوم مضادّ عليه محاصرين دعوته تلك بشبهة تضييع الوقت وطمس الوقائع الجوهرية المنشودة، وقد استشعروا في لحظة معينة أنهم حققوا كسباً وإنجازاً لحظة بادر بري شخصياً الى نفض يده من تلك الدعوة تحت شعار: اللهم إني بلغت ودعوت ولكن ما من مستجيب فاغفر لي ولهم.
لكن رياح الأمور عادت لتنفخ في شراع رئيس المجلس ودعوته تلك ولا سيما بعدما حضر الموفد الفرنسي الخاص جان إيف لودريان الى بيروت حاملاً معه – إضافة الى عرض المهلة الزمنية القصيرة والأخيرة التي لا تتعدى الشهرين والتي على كل الأطراف إعطاء إجابات موثقة تتصل بالمواصفات التي يرى كل منهم ضرورة توفرها بالرئيس المقبل – دعوة الى طاولة حوار.
ثمة من يرى أن دعوة لودريان الى تلك الطاولة تختلف عن مضمون دعوة بري وجوهرها خصوصاً أنها ليست طاولة حوار بل جلسة تشاور وأنها ليست مفتوحة زمنياً، لكن المهم بالنسبة لبري وفريقه أمران:
– أنها في العمق تنطوي على تماهٍ مع دعوة بري الحوارية التي لم تغادر يوماً خطابه السياسي.
– أنها أتت بعد لقاء الخماسية في الدوحة وهذا يعني أن الدول الخمس التي ظللت المبادرة الفرنسية تتبنّى أيضاً الدعوة الى الحوار وتعتبرها مسلكاً ضرورياً.
وإن لم يكن بإمكان فريق عمل عين التينة حتى الآن أن يجزم بأن دعوة لودريان الى طاولة التشاور التي يفترض أن تكون مبدئياً في منتصف أيلول المقبل ستؤتي أكلها لأن المعارضين ما زالوا ماضين في موقفهم اعتقاداً منهم بأن أي تراجع عنه يعادل نكسة، فإن الأهم بالنسبة إلى عين التينة أمران:
الأول أن دعوة بري الحوارية لم تعد تخصه وحده بل صارت مطلباً يحظى بدعم الخماسية.
والثاني أن ثمة حواراً ثنائياً انطلق بزخم وقوة بين “حزب الله” و”التيار الوطني الحر”. والواضح أن لهذا الحوار المنطلق لتوّه في تقدير بري وفريق عمله ميزتين الأولى أنه يصبّ مبدئياً في مناخات الدعوة الى الحوار ويعززها خصوصاً أن المجموعة التي تشهر رفضها لفكرة الحوار تسعى الى تعطيل أي فرصة حوارية ورذلها ومحاصرتها بالشبهات، وآية ذلك “الهجمة” التي تشنّها بضراوة على الحوار الثنائي وتحديداً على رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل.
ولا يخفي فريق عمل عين التينة أن الرئيس بري ينظر بارتياح وتفاؤل، وارتياحه سيتضاعف ولا ريب إذا ما تطور هذا الحوار في اتجاه قيام تحالف وطني عريض ينضم إليه من يرغب ويضع في رأس قائمة أهدافه المساهمة في إخراج البلاد من أزماتها ومفتاح هذا الإخراج طيّ صفحة الشغور الرئاسي.
وفي هذا السياق يؤكد الفريق عينه أن حركة أمل وإن لم تكن شريكاً مباشراً في هذا الحوار، ولم يسجل أي اتصال بينها وبين التيار البرتقالي خارج الاتصال الدائم في مجلس النواب ولجانه، فإن “حزب الله” يحرص على إطلاع الرئيس بري أولاً بأول على النتائج الأولية لهذا الحوار تعبيراً عن رغبة ضمنية لدى الحزب بتمتين هذا الحوار وتأصيله تمهيداً لتوسيع أفقه لاحقاً وفتحه على مآلات أوسع. ولم يكن الحزب ليقدم على هذا الشيء إلا ليقينه الضمني بأنه في داخل العقل السياسي لحركة “أمل” تعتمل رغبة جدّية أكثر من قبل بالوصول الى صيغة تطويرية للحوار بناءً على أسس جديدة تستفيد من دروس المرحلة الماضية.
أما المعطى الثاني الإيجابي عند بري فيتمثّل بالمآلات الانفراجية التي فرضت نفسها بعد أقل من 36 ساعة على حادث كوع الكحالة الذي كان بالإمكان تلافيه تحاشياً لمخاطره. واستنتاج الارتياح هذا عند بري مبنيّ على رصد دقيق لمسار التطورات الأمنية والسياسية التي تلت ذلك الحادث.
لا ريب في أن بري وفريقه اعترتهم موجة هواجس ومخاوف من التداعيات المحتملة لكن سرعان ما تبدّلت الصورة بعد توالي ردود الفعل الاستيعابية لدى الشارع المسيحي العريض وفي مقدمه المرجعيات الروحية. صحيح، تضيف المصادر عينها، أن ثمة جهة قد بالغت في استثمار الحادث سياسياً ولكن ظهرت جملة من المؤشرات المريحة أسهمت في طرد المخاوف والهواجس التي بدأت تتراكم وفي مقدم هذه المعطيات عند الفريق نفسه:
– الكلام الإيجابي الذي أطلقه المطران عبد الساتر في عظته إبان تشييع الضحية البجاني، والذي عكس رغبة المرجعيات الروحية المسيحية ولدى شريحة واسعة من الشارع المسيحي في إطفاء فتيل الفتنة. وحيال ذلك سارع الرئيس بري خطوتين الأولى إطلاق تصريح قال فيه إن لبنان تجاوز قطوعاً كبيراً، والثانية إجراء اتصال بالمطران عبد الساتر مثنياً على عظته ومقدّراً لما ورد فيها من مواقف تنمّ عن وعي عميق وعن رغبة عارمة بالتهدئة.
– المناخات التي صدرت عن أهالي الكحالة.
وبالعموم تضيف المصادر نفسها أن تلك الوقائع التي تلت حادث الكحالة حررت الرئيس بري من هواجس ومخاوف كانت ساورته.
ابراهيم بيرم – النهار

