إن استهداف قلعة الشقيف في أرنون ليس حادثاً عابراً يمكن إدراجه ضمن أضرار الحرب التقليدية، بل هو اعتداء مباشر على ذاكرة لبنان التاريخية والحضارية، وعلى أحد أبرز المعالم الأثرية التي تختزن في حجارتها تعاقب الحضارات على هذه الأرض منذ العصور القديمة حتى يومنا هذا. فهذه القلعة التي شُيّدت فوق صخرة شاهقة تشرف على الليطاني ومرجعيون والنبطية، ليست مجرد بناء عسكري قديم، بل وثيقة حجرية حيّة تختصر تاريخ الجنوب اللبناني بكل تحولاته السياسية والعسكرية والثقافية، من الرومان إلى الصليبيين وصولاً إلى الحقبات الإسلامية والعثمانية. إن ما تتعرض له اليوم من قصف وتدمير ممنهج يهدد بخسارة جزء لا يمكن تعويضه من التراث اللبناني والإنساني.
أن ما يجري في قلعة الشقيف يتجاوز حدود الاستهداف العسكري إلى محاولة طمس المعالم التي تؤكد عمق الهوية التاريخية للبنان وعراقة حضارته. وما يزيد خطورة المشهد أن الاعتداءات لم تعد محصورة في موقع واحد، بل امتدت من شمع إلى بنت جبيل والنبطية وتبنين وقرى جنوبية تحمل في أرضها كنوزاً أثرية وذاكرة حضارية عمرها آلاف السنين، في مشهد يهدد بتحويل الجنوب اللبناني إلى منطقة منكوبة تراثياً وثقافياً.
من هنا، فإن المسؤولية الوطنية والأخلاقية والتاريخية تفرض تحركاً عاجلاً من معالي وزير الثقافة الدكتور غسان سلامة، ومن الحكومة اللبنانية بكامل مؤسساتها، لوضع ملف استهداف المواقع الأثرية والتراثية في صدارة الأولويات الوطنية والدبلوماسية، والعمل فوراً على مخاطبة منظمة اليونسكو والمنظمات الدولية المعنية بحماية التراث الثقافي أثناء النزاعات المسلحة، خاصة أن قلعة الشقيف تتمتع بالحماية المعززة وفق البروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي لعام 1999. إن الصمت أمام تدمير التراث هو مشاركة غير مباشرة في خسارة ذاكرة الشعوب، وما لم يتحرك العالم سريعاً لإنقاذ ما تبقى، فإن لبنان قد يفقد صفحات كاملة من

