لبنان بين انهيار الإرادة العامة وتفكك الدولة الوطنية

د.محمد عاصي –

في لحظةٍ لبنانية مأزومة تتفكك فيها المرجعيات الوطنية الجامعة، وتتحول القضايا السيادية من مسلمات وطنية إلى مواضيع انقسام داخلي، تبرز الحاجة إلى إعادة قراءة فكر الإمام القائد السيد موسى الصدر، ليس فقط بوصفه خطابًا دينيًا أو اجتماعيًا، بل باعتباره مشروعًا فكريًا للدولة والمجتمع والإنسان، يلتقي في جوهره مع إحدى أبرز النظريات المؤسسة للفكر السياسي الحديث: نظرية العقد الاجتماعي لدى جان جاك روسو، ولا سيما مفهوم “الإرادة العامة” باعتبارها التعبير الأعلى عن المصلحة الجماعية المشتركة.

لقد انطلق روسو من فرضية مركزية مفادها أنّ المجتمع لا يتحول إلى كيان سياسي مستقر إلا عندما تتقدّم الإرادة العامة على الإرادات الفئوية والخاصة، لأنّ الدولة، في معناها الفلسفي والقانوني، ليست مجرد تجمّع بشري داخل حدود جغرافية، بل رابطة سياسية وأخلاقية تقوم على التوافق حول المصالح العليا المشتركة. وعندما تتفكك هذه الإرادة العامة لصالح العصبيات والانقسامات الأولية، يدخل المجتمع في طور الانحلال السياسي، حتى وإن استمرت مؤسسات الدولة شكليًا.

هذا التوصيف يكاد ينطبق بصورة دقيقة على الأزمة البنيوية اللبنانية الراهنة، حيث لم يعد الانقسام يقتصر على الخيارات الاقتصادية أو التوازنات السياسية، بل تجاوز ذلك إلى الاختلاف حول تعريف العدو، وحول طبيعة التهديدات الوجودية التي تواجه الدولة والمجتمع. وهنا تحديدًا تبرز راهنية فكر الإمام موسى الصدر، الذي تعامل مع قضية الإنسان بوصفها الأساس الفلسفي لأي عقد وطني قابل للحياة.

فالإمام الصدر لم يطرح الإنسان كقيمة أخلاقية مجردة، بل كمرتكز سياسي للدولة العادلة. ومن هنا، فإنّ خطابه الإنساني لم يكن منفصلًا عن مفهوم السيادة أو عن قضايا الصراع والاحتلال، بل كان يعتبر أنّ أي نظام سياسي يفشل في حماية الإنسان وكرامته ووحدته، يفقد مشروعيته الأخلاقية والوطنية معًا.

وفي هذا الإطار، تبدو عظة الصيام التي ألقاها الإمام الصدر في كنيسة الآباء الكبوشيين عام 1975 بمثابة نص تأسيسي لفكرة الإرادة الوطنية الجامعة. فعندما قال إنّ الأديان تفرقت لأنّ الإنسان غاب عن مركز الاهتمام، كان يضع قاعدة فلسفية عميقة مفادها أنّ انهيار المجتمعات يبدأ لحظة تحوّل الجماعات إلى كيانات مغلقة تدافع عن مصالحها الخاصة على حساب الإنسان المشترك. وهي الفكرة نفسها التي عبّر عنها روسو حين اعتبر أنّ تغلّب الإرادات الخاصة على الإرادة العامة يقود حتمًا إلى تفكك الدولة وتحلل العقد الاجتماعي.

لقد فهم الإمام الصدر باكرًا أنّ الطائفية السياسية لا تكمن خطورتها فقط في توزيع السلطة، بل في إنتاج وعي جمعي متنازع عليه، تصبح فيه كل جماعة مالكةً لحقيقتها السياسية الخاصة، ولتعريفها الخاص للوطن والعدو والمصلحة الوطنية. ومن هنا يمكن فهم تحذيراته المتكررة من تحويل الطوائف إلى جزر سياسية ونفسية معزولة، لأنّ ذلك يؤدي تدريجيًا إلى سقوط مفهوم الجماعة الوطنية الواحدة.

وفي السياق اللبناني الراهن، يمكن القول إنّ أخطر مظاهر أزمة العقد الاجتماعي لا تتمثل في الانهيار الاقتصادي أو العجز المؤسساتي فحسب، بل في اهتزاز مفهوم الإرادة العامة نفسه. فحين يتحول الاحتلال الإسرائيلي، بما يمثله تاريخيًا وقانونيًا من اعتداء على السيادة اللبنانية وانتهاك للقانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها، إلى قضية خلافية داخلية، تصبح الدولة أمام أزمة تعريف وجودي، لا مجرد أزمة سياسية عابرة.

ذلك أنّ الدولة الحديثة، وفقًا للفلسفة السياسية والقانون الدستوري، لا يمكن أن تستقر من دون حد أدنى من الإجماع حول مصادر التهديد ومقومات الأمن القومي. أما عندما يصبح العدو موضع تفاوض داخلي، وتتحول القضايا السيادية إلى مسائل نسبية خاضعة للانقسامات الفئوية، فإنّ الجماعة السياسية تفقد قدرتها على إنتاج إرادة عامة جامعة، ويدخل المجتمع في حالة تآكل تدريجي لكيان الدولة نفسه.

من هنا، تكتسب أفكار الإمام الصدر بعدًا يتجاوز الخطاب الوعظي أو البعد الروحي، لتتحول إلى مشروع متكامل لإعادة بناء المجال الوطني اللبناني على قاعدة الإنسان والمصلحة العامة والعدالة الاجتماعية. فالرجل لم يكن يدعو إلى إلغاء التنوع، بل إلى تنظيمه داخل إطار وطني جامع، بحيث تبقى الاختلافات محكومة بسقف الإرادة الوطنية العليا، لا أن تتحول إلى مشاريع متصارعة على هوية الدولة ووظيفتها.

لقد أدرك الإمام الصدر أنّ الدولة التي تفشل في إنتاج التضامن الوطني تتحول إلى ساحة تنازع جماعات، وأنّ أخطر ما قد يصيب لبنان ليس الحرب العسكرية فقط، بل انهيار الشعور بالمصير المشترك. ولذلك، فإنّ العودة إلى فكره اليوم ليست استعادة رمزية لشخصية تاريخية، بل محاولة لإحياء فكرة لبنان كعقد اجتماعي قائم على الإنسان، لا على الغلبة؛ وعلى الإرادة العامة، لا على توازن العصبيات.

وعليه، فإنّ أزمة لبنان الراهنة ليست فقط أزمة نظام سياسي، بل أزمة مفهوم للدولة وللوطن وللإنسان. وفي ظل هذا الانقسام العمودي، تبدو إعادة الاعتبار لفكر الإمام موسى الصدر ضرورة فكرية ووطنية، لأنه أعاد تعريف السياسة بوصفها إدارةً للعيش المشترك، لا إدارةً للانقسامات، وأعاد تعريف الإيمان بوصفه التزامًا بحماية الإنسان، لا أداةً لتبرير الانقسام حول أبسط حقائق الوطن والتاريخ.

Leave A Reply