د.محمد عاصي
في الفلسفة السياسية، لا يُقاس معنى التفاوض فقط بما يُنتجه من اتفاقات، بل بالظروف التاريخية والأخلاقية التي يولد فيها. فالتفاوض بين دولتين متكافئتين في زمن السلم يختلف جذرياً عن تفاوض يجري تحت وطأة الاحتلال، وفي ظل اختلال عميق في موازين القوة، وبينما الدم لا يزال يسيل والخراب يتمدّد فوق الجغرافيا والبشر. لذلك ميّز الفكر القانوني والسياسي الحديث بين “السلام الناتج عن الإرادة الحرة” و”السلام المفروض بفعل الإكراه العسكري”، لأن الأول يؤسس لاستقرار تاريخي، بينما الثاني لا يكون سوى هدنة مؤقتة تُخفي انفجاراً مؤجلاً.
ومنذ معاهدة وستفاليا وصولاً إلى ميثاق الأمم المتحدة، ارتبطت شرعية الاتفاقات الدولية بمبدأي السيادة والرضى الحر، لا بفرض الوقائع بالقوة المسلحة. فالسلام الحقيقي لا يُبنى فوق الدبابات، ولا فوق المدن المدمّرة، ولا في ظل اختلال جذري بين طرف يمتلك آلة حرب هائلة وطرف يعيش تحت التهديد الوجودي والسيادي. لذلك كان القانون الدولي نفسه حذراً من الاتفاقات التي تُبرم في ظل الاحتلال أو الإكراه السياسي والعسكري، لأن الرضى فيها يصبح موضع شك جوهري.
اليوم، يبدو لبنان وكأنه يقف مجدداً أمام مشهد يُشبه إلى حدّ بعيد ظروف اتفاق 17 أيار 1983. سلطة سياسية تدفع باتجاه التفاوض المباشر مع إسرائيل تحت عناوين “الاستقرار” و”التهدئة” و”الواقعية السياسية”، فيما جزء واسع من المجتمع اللبناني لا يزال يرى أن إسرائيل ليست شريك سلام بل قوة احتلال وعدوان مستمر، خصوصاً في ظل استمرار القتل والتدمير والاستهداف الممنهج للمدنيين والبنى التحتية. وكما في الثمانينيات، يعود الانقسام العمودي نفسه ليحكم المشهد اللبناني: قوى تعتبر أن التسوية مع إسرائيل مدخل لإنقاذ الدولة، وقوى أخرى ترى أن أي تفاوض في ظل العدوان هو تكريس للهزيمة السياسية والسيادية.
والأخطر أن القوى السياسية نفسها التي دفعت نحو اتفاق 17 أيار تعود اليوم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لإحياء المنطق ذاته، وكأن التجربة التاريخية لم تقع، أو كأن نتائجها الكارثية لم تترك أثراً في الوعي الوطني اللبناني. وهنا تبرز الإشكالية المركزية: هل أخفق اللبنانيون في التعلّم من تجربة 17 أيار؟ وهل يمكن إعادة إنتاج مشروع سقط شعبياً وسياسياً وأمنياً تحت العناوين نفسها، وفي ظل ظروف إقليمية ودولية لا تقل تعقيداً وخطورة؟
إن دراسة اتفاق 17 أيار اليوم لا تندرج ضمن استعادة حدث تاريخي فحسب، بل ضمن محاولة لفهم الحاضر اللبناني عبر مرآة الماضي؛ لأن التاريخ في الشرق الأوسط لا يموت، بل يعيد إنتاج نفسه بأدوات وأسماء مختلفة. ومن هنا، تصبح قراءة ذلك الاتفاق ضرورة سياسية وقانونية لفهم طبيعة الانقسام اللبناني الراهن، وحدود فكرة “السلام تحت النار”، وإشكالية التفاوض مع إسرائيل في ظل استمرار الاحتلال والعنف واختلال موازين القوة.
وُلِد اتفاق 17 أيار في لحظة انهيار استراتيجي عاشها لبنان بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، حين وصلت القوات الإسرائيلية إلى بيروت للمرة الأولى في تاريخ الصراع العربي–الإسرائيلي. في تلك المرحلة، كان لبنان يعيش تفككاً داخلياً شاملاً، وانقساماً طائفياً حاداً، وانهياراً تدريجياً في بنية الدولة، بالتوازي مع وجود فلسطيني مسلح، ونفوذ سوري متنامٍ، وحضور أميركي مباشر عبر القوات متعددة الجنسيات.
ضمن هذا المشهد، دفعت الولايات المتحدة نحو صياغة اتفاق لبناني–إسرائيلي يُخرج لبنان من دائرة الصراع، ويؤسس لترتيبات أمنية جديدة تخدم الرؤية الأميركية للمنطقة بعد اتفاقيات كامب ديفيد. وقد جرى تقديم الاتفاق بوصفه “اتفاق انسحاب متبادل”، بينما كان جوهره الفعلي إعادة تشكيل البيئة الأمنية والسياسية اللبنانية بما يضمن المصالح الإسرائيلية طويلة الأمد.
لم يكن الاتفاق مجرد تفاهم تقني حول الانسحاب، بل مشروعاً سياسياً–أمنياً متكاملاً يمنح إسرائيل مكاسب استراتيجية عميقة. فقد كان الهدف الإسرائيلي المركزي تحويل لبنان من جبهة صراع إلى منطقة أمنية خاضعة لمنطق الردع الإسرائيلي. ولذلك تضمّن الاتفاق ترتيبات تُلزم الدولة اللبنانية بمنع أي عمليات مقاومة ضد إسرائيل انطلاقاً من الأراضي اللبنانية، ما يعني عملياً تحميل لبنان مسؤولية الأمن الحدودي الإسرائيلي.
وهنا تكمن المفارقة الخطيرة: فبدلاً من أن يكون الاحتلال هو المشكلة، أصبحت المقاومة ضد الاحتلال هي المشكلة المطلوب إنهاؤها. وبذلك انتقل جوهر النقاش من كيفية تحرير الأرض إلى كيفية ضبط المجتمع اللبناني أمنياً بما يتناسب مع المصالح الإسرائيلية.
ورغم أن الاتفاق لم يُسمَّ “معاهدة سلام”، إلا أنه أسّس لاعتراف سياسي متبادل بحكم الأمر الواقع، عبر إنشاء لجان ارتباط وتنسيق أمني وسياسي مباشر. وهذا مثّل خروجاً لبنانياً عن الإجماع العربي التقليدي الرافض للتطبيع مع إسرائيل خارج إطار تسوية شاملة. وقد اعتبرت قوى لبنانية وعربية واسعة أن الاتفاق يشكّل انتقالاً من حالة العداء إلى حالة الاحتواء السياسي التدريجي لإسرائيل داخل النظام الإقليمي العربي.
كما شكّل الاتفاق محاولة أميركية–إسرائيلية لإعادة رسم التوازنات داخل لبنان عبر تقليص النفوذ السوري وإنهاء الوجود العسكري الفلسطيني. فلبنان كان يُراد له أن يتحول إلى مساحة نفوذ غربي–إسرائيلي مباشرة، منفصلة عن السياق العربي والإقليمي الذي حكم الصراع لعقود. ولهذا السبب، تعاملت سوريا مع الاتفاق بوصفه تهديداً استراتيجياً مباشراً لأمنها القومي ولدورها الإقليمي.
أعاد اتفاق 17 أيار إنتاج الانقسام البنيوي اللبناني حول مفهوم الدولة والسيادة والعلاقة مع الخارج. فالفريق المؤيد رأى أن الاتفاق ضرورة سياسية لإنهاء الاحتلال واستعادة مؤسسات الدولة ووقف الفوضى المسلحة، بينما اعتبر الفريق المعارض أن أي اتفاق يُبرم تحت الاحتلال هو فاقد للمشروعية السياسية والأخلاقية، وأن السلام المفروض بالقوة ليس سوى غطاء لإخضاع لبنان للمشروع الإسرائيلي.
واللافت أن هذا الانقسام لا يزال قائماً حتى اليوم، بل يكاد يتطابق في بنيته السياسية والطائفية والإيديولوجية مع انقسام الثمانينيات. فالقوى التي كانت ترى في إسرائيل “فرصة لإنقاذ لبنان” تعود اليوم لتقديم الطرح نفسه بأدوات لغوية مختلفة، فيما ترى قوى أخرى أن الصراع مع إسرائيل لا يزال صراعاً وجودياً وسيادياً لا يمكن حسمه عبر تفاوض يجري تحت النار.
وقد شكّلت انتفاضة 6 شباط 1984 لحظة انهيار مشروع 17 أيار. فالانتفاضة لم تكن مجرد حدث أمني أو اشتباك داخلي، بل تعبيراً عن سقوط الشرعية الوطنية للاتفاق. اندلعت المواجهات في بيروت الغربية بقيادة حركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي وقوى أخرى رافضة للاتفاق، في مواجهة السلطة المركزية المدعومة أميركياً، وسرعان ما تبيّن أن السلطة غير قادرة على فرض اتفاق يفتقد إلى الغطاء الوطني الجامع.
وفي آذار 1984، أُعلن رسمياً إلغاء الاتفاق، لتدخل البلاد مرحلة جديدة من الصراع الداخلي والإقليمي، عنوانها صعود النفوذ السوري وتراجع المشروع الأميركي في لبنان. ومنذ تلك اللحظة، تحوّل اتفاق 17 أيار إلى نموذج تاريخي على فشل محاولات فرض تسويات استراتيجية كبرى على مجتمع منقسم وتحت ضغط الاحتلال والاختلال الإقليمي.
تكمن خطورة المرحلة الحالية في أن لبنان يبدو وكأنه يعيد إنتاج الشروط نفسها التي أدّت إلى انفجار الثمانينيات: عدوان إسرائيلي واسع، انقسام داخلي حاد، ضغوط أميركية ودولية، سلطة تبحث عن تسويات تحت عنوان الواقعية السياسية، ومقاومة ترى أن أي تنازل الآن هو سقوط سيادي طويل الأمد.
لكن السؤال الجوهري يبقى: هل يمكن إنتاج سلام مستدام في ظل استمرار الاحتلال والعنف واختلال موازين القوى؟ أم أن أي اتفاق يُفرض تحت النار سيحمل في داخله بذور سقوطه كما حصل مع 17 أيار؟
إن التجربة التاريخية اللبنانية تُظهر أن الاتفاقات التي تتجاوز البنية الاجتماعية والسياسية العميقة للمجتمعات، أو تحاول فرض تحولات استراتيجية بالقوة الخارجية، غالباً ما تتحول إلى مصدر إضافي للانقسام لا للاستقرار. ولذلك، فإن استعادة تجربة 17 أيار اليوم لا تهدف إلى اجترار الماضي بقدر ما تهدف إلى التحذير من تكرار أخطاء دفعت البلاد أثمانها دماً وسيادةً وانقساماً وطنياً.
فأخطر ما في التاريخ اللبناني ليس تكرار الأزمات بحد ذاتها، بل العجز المزمن عن التعلّم منها. ومن هنا، يبدو السؤال الذي طرحه اللبنانيون عام 1983 أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: هل يمكن بناء سلام حقيقي مع قوة لا تزال تمارس القتل والتدمير والاحتلال؟ أم أن ما يُطرح اليوم ليس سوى إعادة إنتاج لوهم قديم سقط سابقاً تحت ضغط الواقع اللبناني نفسه؟

