في زمن الأزمات المتراكمة، يُراد للمواطن أن يكتفي بدور المتلقّي: لا يبحث، لا يسأل، لا يشارك… بل يدفع. تُختزل المعاناة إلى أرقام، وتُدار القرارات في غرفٍ مغلقة، وكأنّ الوطن ملكيّة خاصّة لا عقدًا اجتماعيًا بين شعبٍ ودولة. هذا المسار، إن استمرّ، لا يقود إلّا إلى مزيدٍ من القلق والتفكّك، لأنّ إقصاء النّاس عن فهم ما يجري وعن المشاركة في تقرير مصيرهم هو وصفةٌ أكيدة لاهتزاز الشّرعيّة.
من هنا، يصبح استحضار فكر الإمام موسى الصدر ضرورةً لا ترفًا. فالإمام الصّدر لم يدعُ يومًا إلى جمهورٍ صامت، بل إلى مواطنٍ واعٍ، شريكٍ، ومسؤول. الوعي، في هذا السّياق، ليس ترفًا ثقافيًا، بل شرطٌ لحماية الوطن من الانزلاق؛ لأنّ الجّهل يسهّل التّلاعب بالمصير، بينما المعرفة تُحصّن المجتمع وتمنحه القدرة على المحاسبة.
إنّ جنوب لبنان، الذي دفع عبر تاريخه أثمانًا باهظة دفاعًا عن الوطن، لا يمكن أن يبقى مساحةً لتلقّي النّتائج دون أن يكون جزءًا من صناعة القرار. فالتّضحيات لا تُترجم فقط بالشّعارات، بل تُصان عبر شراكةٍ حقيقيّة في تحديد الاتّجاهات الكبرى، خصوصًا تلك التي تمسّ الأمن، الاقتصاد، ومستقبل الأجيال.
وهنا، لا بدّ من موقفٍ واضح لا لبس فيه.
فالقرارات المصيريّة لا تُتّخذ بمنطق الغلبة، ولا تحت ضغط الأمر الواقع، ولا باسم تمثيلٍ جزئي. إنّها قرارات تتعلّق بحياة شعبٍ كامل، وبالتّالي يجب أن تخضع لمنطق الدّولة، ولآلياتٍ دستوريّة شفّافة، ولمشاركةٍ وطنيّةٍ جامعة.
إنّ حماية الوطن لا تعني إلغاء التعدّد، بل تنظيمه ضمن إطار الدّولة. ولا تعني إقصاء أيّ طرف، بل منع أيّ طرف من احتكار القرار. فالوطن، بطبيعته، مساحة توازنات دقيقة، وأيّ إخلالٍ بهذا التّوازن يدفع الجميع ثمنه، لا فئةً دون أخرى.
لقد حذّر الإمام الصدر، في أكثر من مناسبة، من تحويل الحرمان إلى قدر، ومن ترك النّاس خارج دوائر القرار. واليوم، تتجدّد هذه الدّعوة بصيغةٍ أكثر إلحاحًا: لا يمكن بناء استقرارٍ حقيقي من دون إشراك النّاس في رسمه، ولا يمكن فرض خياراتٍ كبرى من دون نقاشٍ عام ومسؤول.
ليس المطلوب مواجهةً ولا انقسامًا، بل استعادة المعنى الحقيقي للوطن:
أن نبحث لنفهم،
أن نشارك لنقرّر،
وأن نرفض أن نكون وحدنا من يدفع الثّمن.
فالوطن الذي يُدار بالوعي، يبقى…
أمّا الوطن الذي يُؤخذ إلى المجهول، فلا ينجو فيه أحد.

