يُشكّل فكر الإمام موسى الصدر أحد أهم المرجعيّات الوطنيّة التي أرست مفهوم العيش المشترك في لبنان، ليس كشعارٍ سياسي عابر، بل كنهجٍ أخلاقي وثقافي متجذّر في وجدان المجتمع. فقد دعا إلى وطنٍ يتجاوز الانقسامات الضيّقة، ويؤسّس لعلاقة قائمة على الاحترام المتبادل بين مكوّناته، حيث تُصان الكرامة الإنسانية وتُحترم الخصوصيات الدينية.
في هذا السياق، يبرز التعرّض للمقامات الدينية أو الإساءة إلى الرموز الروحية كأحد أخطر مظاهر الانحدار القيمي، لما يحمله من دلالات تمسّ مشاعر الجماعات وتُهدّد السلم الأهلي. فالمقدّسات ليست مجرد رموز، بل هي امتداد لهوية الأفراد ومرجعياتهم الرّوحيّة، وأيّ انتهاك لها يُعدّ اعتداءً على النّسيج الاجتماعي برمّته.
لقد شدّد الإمام الصدر في مختلف خطاباته على أنّ الاختلاف الديني لا يجب أن يتحوّل إلى صراع، بل إلى مساحة حوار وتكامل. ومن هذا المنطلق، فإنّ حماية المقدّسات واحترامها تُعدّ شرطًا أساسيًا للحفاظ على الاستقرار، خصوصًا في ظلّ التّحدّيات السّياسيّة والاجتماعيّة التي يعيشها لبنان اليوم.
إنّ الإعلام، والنّخب الثّقافيّة، والمؤسسات التربوية، جميعها مدعوّة إلى لعب دورٍ محوري في تعزيز ثقافة الاحترام ونبذ خطاب الكراهيّة. فالمسؤولية لا تقع على جهة واحدة، بل هي مسؤوليّة جماعيّة تتطلّب وعيًا متقدّمًا بخطورة الانزلاق نحو الاستفزاز الطائفي.
في المحصّلة، يبقى العيش المشترك خيارًا وجوديًا للبنان، لا يمكن التّفريط به تحت أيّ ظرف. وهو لا يتحقّق إلّا من خلال الالتزام بقيم الاحترام، والابتعاد عن كل ما من شأنه أن يُثير النّعرات أو يُسيء إلى مقدّسات الآخرين. فالوطن الذي يُبنى على الكرامة المتبادلة، هو وحده القادر على الصّمود في وجه الأزمات، وترسيخ السّلام المستدام بين أبنائه.
*د. عبّاس حيدر*
أخبار عاجلة

