كتب د. محمد عاصي –
يحمل هذا الأسبوع مؤشرات تصعيدية ذات دلالة في سياق التفاعلات الإقليمية والدولية المرتبطة بالأزمة بين دونالد ترامب وإيران. إذ تقترب المهلة الزمنية التي حددتها الإدارة الأميركية، والبالغة شهرين، من نهايتها دون تحقيق اختراق يُذكر على مستوى المسار التفاوضي. وفي هذا الإطار، تبدو المباحثات الجارية في باكستان متعثّرة، نتيجة تمسّك كل من إيران والولايات المتحدة بسقوف تفاوضية مرتفعة تعكس تباينًا جوهريًا في المقاربات الاستراتيجية، وغياب الحد الأدنى من المرونة السياسية اللازمة لإنتاج تسوية مرحلية.
في البعد الجيو-استراتيجي، يطرح كلّ من الحصار البحري الأميركي المفروض على إيران، وإمكانية طهران على إغلاق مضيق هرمز، معادلة ردع متبادل عالية الكلفة، يصعب على أي من الطرفين تحمّل تداعياتها لفترة طويلة ، نظرًا لانعكاساتها المباشرة على أمن الطاقة العالمي وحرية الملاحة البحرية. ومن زاوية القانون الدولي العام، تثير هذه الإجراءات إشكاليات قانونية مركّبة: فالحصار البحري، إن لم يستند إلى تفويض صريح من مجلس الأمن الدولي، قد يُعدّ انتهاكًا لمبدأ حرية الملاحة ولحظر استخدام القوة المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما المادة 2 (الفقرة 4). في المقابل، فإن أي إغلاق لممر دولي حيوي كمضيق هرمز قد يُفسَّر بوصفه إخلالًا بالتزامات العبور العابر (Transit Passage) المنصوص عليها في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ما يضعه أيضًا في دائرة المساءلة الدولية، إلا إذا استند إلى مبررات الدفاع الشرعي وفق المادة 51 من الميثاق، وهو تكييف يبقى محل جدل فقهي واسع.
وعليه، فإن فشل جهود الوساطة في ردم الفجوة التفاوضية يُرجّح الانتقال إلى نمط “التصعيد المنضبط” عبر جولة عسكرية جديدة تهدف إلى كسر حالة الجمود الاستراتيجي. غير أن هذا السيناريو، وفق أدبيات العلاقات الدولية، ينطوي على مخاطر عالية لجهة الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، يصعب احتواء نطاقها الزمني أو الجغرافي، خصوصًا في ظل سوابق تصعيدية شهدتها المنطقة في حزيران 2025 وشباط 2026. ومن المرجّح أن تحمل أي جولة ثالثة طابعًا حاسمًا، من حيث إعادة تشكيل توازنات القوى، بما يؤسس لمرحلة لاحقة على المستويين الإقليمي والدولي.
على المستوى اللبناني فلا يقلّ المشهد تعقيدًا، إذ تشير المعطيات إلى اعتراف إسرائيلي ضمني بتحوّل في موازين القوى لمصلحة قوى المقاومة، تجلّى في إعادة تثبيت معادلات ردع جديدة، كانت قد أُعلنت نهاية الحرب السابقة على لسان يسرائيل كاتس. كما تعكس القيود المفروضة على حركة الجيش الإسرائيلي في لبنان تداخلاً بين القرارين السياسي والعسكري، في ظل ارتباط خيارات بنيامين نتنياهو بسياقات أوسع تتصل بإدارة دونالد ترامب للصراع، وبسقف الردع الذي تفرضه إيران.
ومن منظور القانون الدولي الإنساني، فإن أي توسّع في رقعة العمليات العسكرية، سواء في لبنان أو على مستوى الإقليم، يجب ان يخضع لأحكام اتفاقيات جنيف ومبادئها الأساسية، لا سيما التمييز بين المدنيين والمقاتلين، والتناسب في استخدام القوة، وحظر استهداف الأعيان المدنية. وهو ما يطرح تحديات إضافية في ظل الحروب غير المتكافئة وتداخل الجبهات، حيث تزداد احتمالات وقوع انتهاكات جسيمة قد ترقى إلى مستوى الجرائم الدولية.
في هذا السياق، قد يؤدي أي تصعيد مباشر على الجبهة الإيرانية إلى إعادة تحرير هامش الحركة الإسرائيلية، بما يفتح المجال أمام توسّع رقعة العمليات العسكرية إقليميًا، على نحو يعيد إنتاج مشهد ما قبل أسابيع من التصعيد الأخير.
بناءً عليه، تبقى مآلات الحراك الدبلوماسي غير المباشر بين طهران وواشنطن، عبر الوسطاء، العامل الحاسم في تحديد مسار المرحلة المقبلة، سواء باتجاه احتواء التصعيد ضمن أطر تفاوضية، أو الانزلاق إلى مواجهة أوسع تعيد رسم قواعد الاشتباك في الإقليم، ضمن بيئة دولية تزداد فيها هشاشة القيود القانونية أمام اعتبارات القوة وتوازناتها.
اخيراً ، تبرز إشكالية مستقبلية ،هل لا تزال الأمم المتحدة وقواعد ميثاق الأمم المتحدة قادرتين على فرض قيود فعلية على سلوك الدول في ظل عودة سياسات القوة وتآكل فعالية مجلس الأمن الدولي وشلله بسبب الفيتو الاميريكي ، أم أننا أمام تحوّل بنيوي نحو نظام دولي تُعاد فيه صياغة الشرعية وفق موازين القوة على حساب قواعد القانون الدولي العام؟

