رسالة مواطن إلى رجل كل المراحل دولة الرئيس نبيه بري
( بقلم المحامي خضر عكنان )
ليست هذه رسالة سياسي إلى سياسي، ولا شهادة حزب إلى حزب، بل هي كلمات مواطن لبناني عاش كما عاش أبناء وطنه سنوات الحرب والسلم، الأمل والخيبات، ورأى بأم العين كيف كانت الأوطان، في لحظات الشدة، تحتاج إلى رجال دولة قبل أن تحتاج إلى أصحاب المواقف والشعارات. ومن موقع المواطن الذي يتطلع إلى استقرار بلده ووحدة شعبه، تأتي هذه الكلمات تقديراً لمسيرة امتدت لعقود، كان عنوانها الاعتدال، والحوار، والإيمان بلبنان الواحد.
في تاريخ الأمم، يمرّ رجال على صفحات الزمن، ويصنع آخرون محطات مفصلية تترك بصماتها في وجدان الشعوب. غير أن قلة قليلة هي التي تتحول إلى جزء من ذاكرة الوطن، وإلى عنوان للحكمة والثبات والقدرة على العبور بالبلاد وسط العواصف. وفي لبنان، ذلك الوطن الذي لم يعرف الاستقرار إلا نادراً، والذي عاش حروباً وأزمات وانقسامات لا تُحصى، برزتم كأحد أبرز رجالات الدولة، ورجل كل المراحل، وصاحب التجربة السياسية الأوسع والأكثر رسوخاً، حتى بات حضوركم في المحطات المصيرية مرادفاً للاتزان، وصوتكم صوتاً للعقل والاعتدال، ونهجكم نهج الوطنية الصادقة التي جعلت الإنسان غايتها الأولى، بعيداً عن أي تفرقة مذهبية أو طائفية.
وعلى امتداد عقود من الحياة الوطنية، لم تكونوا مجرد مسؤول يتولى موقعاً دستورياً، بل كنتم شاهداً على التحولات الكبرى، وشريكاً في صناعة الكثير من المنعطفات الوطنية، وحاملاً لهاجس حماية لبنان وصون وحدته ومنع انزلاقه إلى المجهول. ولذلك، كلما اشتدت المحن، وتلبدت سماء الوطن بالغيوم، اتجهت الأنظار نحو عين التينة، لا باعتبارها مقراً سياسياً فحسب، بل بوصفها مساحة للحوار، ومنبراً للتلاقي، ومرجعية وطنية لطالما آمنت بأن لبنان لا يُبنى بالغلبة، بل بالشراكة، ولا يُحفظ بالانقسام، بل بالتفاهم بين أبنائه.
ومن يعرف مدينة صور وحاراتها وأزقتها، ومن يعرف الجنوب والبقاع وسائر المناطق اللبنانية، يدرك أن بصماتكم لم تكن حكراً على منطقة أو طائفة، بل امتدت إلى كل إنسان محتاج وإلى كل فئة كادحة. فالصيادون والفلاحون والعمال والمزارعون يشهدون على مسيرة طويلة من الانحياز إلى الإنسان وخدمة الناس والدفاع عن المحرومين، دون تمييز أو تفرقة، إيماناً بأن الكرامة الإنسانية لا تعرف مذهباً ولا طائفة.
وفي خضم الحرب التي ما زالت تثقل كاهل لبنان، تواصلون أداء دوركم الوطني المحوري، واضعين كل ثقلكم السياسي وخبرتكم الطويلة في خدمة الجهود الرامية إلى وقف إطلاق النار وتجنيب البلاد المزيد من المآسي، ومنع انزلاقها نحو المجهول. وبينما تتعاظم معاناة اللبنانيين، تبقى قضية عودة النازحين إلى قراهم وبلداتهم وديارهم المدمرة في صدارة أولوياتكم الوطنية والإنسانية، إيماناً بأن الأرض التي ارتوت بتضحيات أهلها لا يجوز أن تُترك، وأن إعادة الإنسان إلى أرضه، وتمكينه من ترميم بيته واستعادة حياته وكرامته، هي الخطوة الأولى على طريق نهوض الوطن من تحت الركام. فالبيوت وإن هدمتها الحروب، فإن إرادة أهلها أقوى من الدمار، ولبنان لا ينهض إلا بعودة أبنائه إلى أرضهم، وتمسكهم بحقهم في الحياة الكريمة فوق تراب وطنهم.
ولعل ما يقدّره كثيرون فيكم، هو أنكم بقيتم أوفياء لنهج الإمام المغيب السيد موسى الصدر، حاملين رسالة حركة أمل، ومتمسكين بخيار الوحدة الوطنية والحوار، ومدافعين عن حقوق المحرومين وعن لبنان السيد الموحد.
دولة الرئيس،
قد تختلف الآراء والاجتهادات، لكن الأوطان تحفظ في ذاكرتها الرجال الذين بقوا إلى جانبها في المنعطفات الصعبة. ومن موقع المواطن الذي يرجو لوطنه الأمن والاستقرار، لا يسعني إلا أن أتمنى لكم دوام الصحة والعافية، وأن يوفقكم الله في مساعيكم لوقف الحرب، وحماية لبنان، وإعادة أبنائه إلى بيوتهم وقراهم وديارهم المدمرة، لأن الأوطان لا تُبنى إلا بالحكمة، ولا تُصان إلا برجال يعرفون قيمة الإنسان، ومعنى الشراكة، وأهمية إبقاء أبواب الحوار مفتوحة مهما اشتدت العواصف.
مع فائق التقدير والاحترام،
مواطن لبناني

