ماذا بعد علي الطاهر؟ “إسرائيل” والدور الوظيفي الجديد

كتب د.محمد عاصي-

ليست علي الطاهر مجرد تلة في جنوب لبنان، وليست المعركة حولها مجرد فصل عسكري آخر في الصراع المفتوح بين إسرائيل وحزب الله، بل تبدو، في ضوء التحولات الميدانية والسياسية الأخيرة، مؤشراً على تحوّل أعمق في الوظيفة التي تريد إسرائيل أن تؤديها داخل البيئة الأمنية اللبنانية والإقليمية. فالمسألة لم تعد محصورة في حماية الحدود الإسرائيلية، بل بات السؤال الحقيقي هو: هل تسعى إسرائيل إلى إعادة تعريف الحدود الأمنية نفسها، بحيث يصبح جزء من الأراضي اللبنانية مجالاً دائماً لإنتاج الأمن الإسرائيلي وفرض قواعده؟

من منظور العلاقات الدولية، تمثل علي الطاهر نموذجاً لما يمكن تسميته «الردع المتقدم»، أي الانتقال من الدفاع عن الحدود إلى نقل مفهوم الأمن إلى داخل المجال الجغرافي للدولة المجاورة. وهذا التحول بالغ الخطورة لأنه يضع السيادة اللبنانية أمام معادلة جديدة: دولة تملك السيادة القانونية على إقليمها، وقوة عسكرية أجنبية تسعى إلى امتلاك القدرة العملية على التأثير في ما يجري داخله. وهنا تتجاوز المسألة حدود الاشتباك العسكري لتلامس جوهر النظام الدولي القائم على سيادة الدول ومبدأ عدم التدخل.

فميثاق الأمم المتحدة لا يترك هذه المسألة معلقة في منطقة رمادية؛ إذ ينص في المادة الثانية، الفقرة الرابعة، على امتناع الدول عن التهديد باستعمال القوة أو استعمالها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة. ومن ثم فإن تحويل وجود عسكري مؤقت إلى واقع أمني دائم، أو إنشاء نطاق أمني داخل أراضي دولة أخرى من دون موافقتها، لا يمكن أن يتحول بمجرد امتلاك القوة العسكرية إلى حق مكتسب. القوة قد تنتج واقعاً ميدانياً، لكنها لا تنتج بذاتها شرعية قانونية.

وهنا تكمن أهمية علي الطاهر. فإذا كان الهدف الإسرائيلي هو منع تهديدات عسكرية مباشرة من الأراضي اللبنانية، فإن القانون الدولي يميز بين الضرورة الأمنية المشروعة وبين تحويل الضرورة إلى ذريعة لإعادة تشكيل الوضع الإقليمي. الدفاع عن النفس، حيث تتوافر شروطه القانونية، لا يعني امتلاك حق مفتوح في الاحتفاظ بأراضٍ أجنبية أو إنشاء ترتيبات أمنية دائمة داخلها. والأخطر أن يتحول «الأمن» من مبرر مؤقت إلى عقيدة جغرافية تعيد تعريف السيادة اللبنانية وفقاً للاحتياجات الأمنية الإسرائيلية.

وهنا يصبح مفهوم الاحتلال في القانون الدولي الإنساني مهماً للغاية. فالقانون لا ينظر فقط إلى الاسم الذي تطلقه الدولة على وجودها العسكري، بل إلى الوقائع على الأرض. فوفق المادة 42 من لوائح لاهاي لعام 1907، يتحقق الاحتلال عندما يصبح الإقليم فعلياً تحت سلطة الجيش المعادي، وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن معيار السيطرة الفعلية هو العنصر الحاسم في تحديد قيام الاحتلال، بصرف النظر عن التسمية السياسية التي تطلق على هذا الوجود. ولذلك فإن تسمية الوجود العسكري «سيطرة عملياتية» أو «منطقة أمنية» لا تحسم المسألة قانونياً إذا تحولت السيطرة العسكرية إلى سلطة فعلية على جزء من الإقليم اللبناني.

والأكثر أهمية أن الاحتلال، في القانون الدولي الإنساني، لا يمنح الدولة المحتلة سيادة على الأرض. فسلطة الاحتلال، إذا تحققت شروطها القانونية، تبقى سلطة مؤقتة ومقيدة ولا تتحول إلى صاحب سيادة. وهذا يضع المشروع الإسرائيلي المحتمل أمام معضلة قانونية وسياسية: تستطيع إسرائيل أن تفرض سيطرة عسكرية، لكنها لا تستطيع أن تحول هذه السيطرة إلى حق سيادي بمجرد استمرارها.

ومن هنا يمكن فهم الدور الوظيفي الجديد الذي تحاول إسرائيل تكريسه. إسرائيل لا تريد بالضرورة احتلال جنوب لبنان بالمعنى التقليدي، لأن الاحتلال المباشر يحمل أعباء سياسية وقانونية وأمنية هائلة، وإنما قد تسعى إلى صيغة أكثر مرونة تقوم على «السيادة الأمنية الإسرائيلية غير المباشرة»: أي أن يبقى الإقليم لبنانياً من الناحية القانونية، لكن تصبح إسرائيل صاحبة الكلمة الأقوى في تحديد ما هو مسموح وما هو ممنوع عسكرياً داخل جزء من هذا الإقليم. وهذه الصيغة أخطر أحياناً من الاحتلال التقليدي لأنها تسمح بتقليص كلفة الاحتلال مع الاحتفاظ بجزء من وظائفه الاستراتيجية.

ومن هنا يمكن تصور ثلاثة مسارات. الأول أن تكون السيطرة على علي الطاهر ورقة تفاوضية مؤقتة تنتهي بانسحاب إسرائيلي مقابل ترتيبات أمنية وضمانات دولية وآلية واضحة تمنع إعادة إنتاج التهديد. الثاني أن تتحول السيطرة إلى جزء من حزام أمني أوسع، فتتقدم إسرائيل تدريجياً من مفهوم «النقطة العسكرية» إلى مفهوم «المجال الأمني». والثالث أن تدخل المنطقة في حرب استنزاف طويلة، لا يكون الهدف فيها تحقيق انتصار عسكري نهائي بقدر ما يكون إنهاك الخصم وإعادة تشكيل قواعد الاشتباك وفرض وقائع جديدة على الأرض.

والسيناريو الأكثر خطورة هو الجمع بين الثاني والثالث: تثبيت وقائع عسكرية جديدة بالتوازي مع إبقاء الحرب في مستوى يسمح بتبرير استمرار الوجود الإسرائيلي. عندها لا تعود علي الطاهر هدفاً عسكرياً فحسب، بل تتحول إلى عقدة في مشروع أوسع لإعادة هندسة الأمن في جنوب لبنان.

لكن هذه المعادلة تضع أيضاً المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي. فإذا كان المطلوب تطبيق القرارات الدولية وحماية سيادة لبنان، فلا يجوز أن تتحول القرارات إلى أداة تطالب طرفاً واحداً بالالتزام بينما يُسمح للطرف الآخر بإنتاج وقائع عسكرية جديدة على الأرض. فالقانون الدولي لا يُقاس فقط بما تقوله النصوص، بل أيضاً بمدى اتساق تطبيقها على جميع الأطراف. وإلا تحولت الشرعية الدولية من قاعدة لتنظيم العلاقات الدولية إلى غطاء لإدارة موازين القوة.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد علي الطاهر ليس استمرار المعركة وحده، بل أن تصبح السيطرة العسكرية «طبيعية» بمرور الوقت. فالتاريخ السياسي مليء بأمثلة بدأت بنقطة عسكرية وانتهت بواقع جغرافي وسياسي دائم. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: من يسيطر على علي الطاهر اليوم؟ بل: من سيحدد شكل جنوب لبنان غداً، ومن يملك حق رسم قواعد الأمن فيه؟

وهنا يجب أن تكون الإجابة واضحة: أمن إسرائيل لا يمكن أن يصبح بديلاً عن سيادة لبنان، والهاجس الأمني الإسرائيلي لا يمكن أن يتحول إلى مصدر مستقل لقواعد جديدة في القانون الدولي. فإذا تحولت القوة العسكرية إلى وسيلة لإعادة رسم الحدود الأمنية لدولة أخرى، فإن المسألة لم تعد دفاعاً عن الحدود، بل إعادة تعريف للحدود بالقوة. وإذا تحولت السيطرة المؤقتة إلى سلطة فعلية مستمرة، فإن تغيير الاسم لن يغيّر الطبيعة القانونية للواقع.

وعليه فإن «ما بعد علي الطاهر» قد يكون أهم من علي الطاهر نفسها. فالمعركة الحقيقية ليست فقط على تلة، وإنما على مفهوم الدولة والسيادة والحدود في الشرق الأوسط. وإذا نجحت إسرائيل في فرض قاعدة مفادها أن أمنها يخولها الاحتفاظ بجزء من المجال الجغرافي لدولة أخرى متى شاءت، فنحن لا نكون أمام تعديل في قواعد الاشتباك فحسب، بل أمام سابقة تضرب جوهر النظام الدولي القائم على المساواة في السيادة وعدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة.

والخلاصة الأكثر وضوحاً أن إسرائيل تستطيع أن تنتصر عسكرياً في معركة، وأن تفرض واقعاً بالنار، وأن تحتل موقعاً استراتيجياً، لكنها لا تستطيع أن تستخرج من فوهة المدفع شرعية دولية. فالقوة قد تفرض الاحتلال، لكنها لا تمنح السيادة؛ وقد ترسم خطاً أمنياً، لكنها لا ترسم حدود القانون. وإذا تحولت علي الطاهر إلى نموذج لحق إسرائيلي دائم في التوغل والسيطرة داخل الأراضي اللبنانية، فإن المعركة لن تكون عندها بين إسرائيل وخصومها في الجنوب فقط، بل ستكون معركة على قواعد النظام الدولي نفسه. وعندها يصبح الصمت الدولي ليس حياداً، بل مساهمة في صناعة سابقة خطيرة: أن من يملك القوة يستطيع أن يكتب الجغرافيا، وأن القانون الدولي لا يأتي إلا لاحقاً ليقرأ ما كتبته القوة. وهذه، في جوهرها، ليست نهاية معركة علي الطاهر، بل بداية السؤال الأخطر: هل نحن أمام إسرائيل تدافع عن حدودها، أم أمام إسرائيل تريد أن تجعل حدود الآخرين جزءاً من أمنها القومي؟ د .محمد عاصي . استاذ جامعي

Leave A Reply