حين يصبح الموروث سجنًا للعقل… الإمام موسى الصّدر وثقافة التّحرّر

كتب الدكتور: عبّاس حيدر

﴿قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾.(الزخرف الآية 22 )
هذه الآية ليست مجرّد حكاية عن قوم مضوا، بل هي تحذير قرآني دائم من أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمعات: أن يتحوّل الانتماء إلى تعطيل للعقل، وأن يصبح الماضي حُجّة بذاته، وأن يصبح الولاء للأشخاص أو الجماعات أقوى من الولاء للحقيقة.
فالقرآن لا يقول لنا: اقطعوا صلتكم بآبائكم، ولا ارفضوا تاريخكم، بل يقول بصورة أعمق: فكّروا. اسألوا. ناقشوا. قارنوا. ولا تجعلوا ما ورثتموه فوق النّقد والمراجعة، حتى لو كان الآباء على صحّ فيجب أن نفكّر.
وضعتُ هذه المقدّمة كي أدخل إلى الواقع اللبناني لنرى ما نعانيه من إنتماء وتقليد أعمى، وتبعيّة…
لقد عشنا سنوات من الخوف والدّمار والنّزوح وسقوط الشهداء، ولا يجوز بعد كل هذه التّجربة أن نخرج منها بالسّؤال نفسه الذي دخلنا به: من معنا ومن ضدنا؟ السّؤال الأكثر مسؤولية هو:
ماذا حدث؟ لماذا حدث؟ هل كان يمكن تجنّبه؟ هل كانت كلفته متناسبة مع نتائجه؟ ماذا حقّقنا؟ ماذا خسرنا؟ ومن يقرّر الحرب والسّلم؟ وهل حماية لبنان تكون فقط بالسّلاح، أم أيضًا ببناء دولة قويّة وجيش قادر ومؤسّسات تحمي المواطن؟ هذه ليست أسئلة خيانة، ولا أسئلة ضعف، ولا أسئلة خروج على الثوابت.
إنها أسئلة وطنية. المشكلة تبدأ عندما يقول لنا أحدهم: هكذا فعل آباؤنا، وهكذا فعل حزبنا، وهكذا فعلت جماعتنا، وهكذا فعل قائدنا، ولذلك يجب أن نفعل الشيء نفسه. هنا يتحوّل الانتماء من قيمة إلى قيد، ويتحوّل الولاء من وعي إلى تبعيّة. وعندنا في لبنان، حيث تتداخل الطّوائف والمذاهب والأحزاب والذّاكرة السياسية والحروب السّابقة، يصبح التّفكير النّقدي أكثر ضرورة، لا أقل. ولعلّ هذا بالضّبط ما يجعل استحضار تجربة الإمام موسى الصدر اليوم ذا معنى كبير.
فالإمام الصدر لم يتعامل مع الإنسان باعتباره تابعًا لجماعة، بل باعتباره إنسانًا صاحب عقل وكرامة ومسؤولية. وكان مشروعه، في جوهره، يتجاوز منطق الانقسام الطّائفي إلى بناء الإنسان والدولة والوطن.
لم يكن يريد من اللبناني أن يسأل فقط: مع من أنا؟ بل أن يسأل أيضًا: ماذا أريد للبنان؟
وهنا تكمن قيمة فكر الإمام الصدر في زمن الحرب. فالإنسان الذي يفكّر لا يرفض المقاومة لمجرد الرّفض، ولا يؤيّدها لمجرّد الانتماء؛ بل يسأل عن وظيفتها وغايتها ونتائجها، وعن علاقتها بالدّولة وحماية الوطن. وفي الوقت نفسه، لا يرفض الدّولة لأنّها ضعفت، بل يعمل على تقويتها، ولا يجعل الجيش شعارًا في المناسبات، بل مؤسسة وطنية يجب أن تكون في صلب حماية لبنان وسيادته. ومن هذا المنظور، فإنّ السّلم الدّاخلي والمقاومة عند العدوان ليسا بالضّرورة نقيضين في فكر الامام الصدر، بل يمكن النّظر إليهما ضمن مشروع وطني واحد: مقاومة العدوان، ومنع تحويل لبنان إلى ساحة دائمة للصّراع، وبناء دولة قادرة على حماية شعبها وأرضها.
لقد كان الإمام الصدر يدعو إلى الحوار، وإلى تجاوز العصبية، وإلى التّعامل مع اللبناني الآخر بوصفه شريكًا في الوطن لا خصمًا في الوجود. وهذا ما نحتاجه اليوم أكثر من أيّ وقت مضى.
فبعد كل حرب، هناك من يريد أن يحوّل الدم إلى رأسمال سياسي، والضحايا إلى شعارات حزبية، والدّمار إلى دليل على صحة كلّ القرارات السابقة. وهنا يجب أن نتوقف، الشهادة مقدسة، لكنّ القرار السياسي ليس مقدّسًا. المقاومة قيمة، لكنّ أداءها السياسي قابل للنّقاش. الدولة ضرورة، لكنّ مؤسساتها ليست فوق المساءلة. والمسؤول مهما علا شأنه، ليس بديلاً عن عقل المواطن.
أن نحترم آباءنا، لكن لا نقدّس أخطاءهم. أن نحترم تاريخنا، لكن لا نعيش أسرى له. أن نحترم شهداءنا، لكن لا نستخدم دماءهم لإسكات الأسئلة، أن نحترم مقاومتنا، لكن نناقش أين نجحت وأين أخفقت، وأن نحترم دولتنا، لكن نطالبها بأن تكون دولة فعلية لا مجرد اسم. لبنان لا يحتاج إلى جيل جديد يردد: “إنا وجدنا آباءنا على أمة”. لبنان يحتاج إلى جيل يقول: وجدنا آباءنا، فأحببناهم… لكنّنا استخدمنا عقولنا. قرأنا تاريخهم… ولم نكرر أخطاءهم، حفظنا تضحياتهم… ولم نسمح للدّم أن يلغي السّؤال. واختلفنا في السياسة… ولم نختلف على الوطن، وهذا في جوهره هو الدّرس الذي يجعل فكر الإمام موسى الصدر حيًّا:
أن يكون الإنسان وفيًّا لانتمائه، من دون أن يكون عبدًا له؛ وأن يكون مقاومًا للعدوان، من دون أن يتوقف عن التّفكير؛ وأن يكون مؤمنًا بالوطن، من دون أن يحوّل الوطن إلى متراس في وجه أخيه.

Leave A Reply