يسعى الإنسان المؤمن بطبيعته إلى نيل رضا الله، ويعيش حالةً دائمة من المراجعة الذّاتية والمحاسبة الأخلاقية. وهذه الحالة في أصلها قيمة روحية عظيمة، لأنّها تدفع الإنسان إلى تهذيب نفسه والارتقاء بسلوكه وعدم الوقوع في الغرور أو الاكتفاء الذّاتي. غير أنّ المشكلة تبدأ عندما يتحوّل هذا الشّعور الصحّي بالتّقصير إلى حالة نفسيّة مزمنة من جَلد الذّات، أو إلى أداة تُستخدم لتفسير كل أشكال المعاناة والظلم والفشل التي يعيشها المجتمع.
في كثير من المجتمعات، جرى تكريس خطابٍ يربط بين البلاء العام وبين تقصير الأفراد الدّيني بصورة مباشرة ومطلقة. فإذا انتشر الفقر قيل للنّاس: السبب هو الابتعاد عن الله. وإذا تفشّى الظلم قيل: السبب ضعف العبادة. وإذا فشلت الدّولة أو انهارت المؤسّسات أو سُرقت الثروات، أُعيد الأمر إلى ذنوب النّاس وقلّة تديّنهم.
وهنا يبرز السّؤال المركزي: هل كل أزمة اجتماعية أو سياسية هي نتيجة مباشرة لتقصير الأفراد؟ أم أنّ هذا التّفسير يُغفل مسؤولية الأنظمة السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة التي تصنع الواقع وتدير شؤون المجتمع؟
إنّ القرآن نفسه لا يحمّل الأفراد وحدهم مسؤولية التّاريخ، بل يتحدّث أيضًا عن الظّالمين والمستكبرين والطّغاة والمفسدين في الأرض، ويتحدث عن أنظمة الاستبداد والفساد بوصفها عوامل حقيقية في صناعة الشقاء الإنساني. لذلك فإن اختزال أسباب الأزمات في البعد الأخلاقي الفردي وحده يؤدي إلى تغييب البعد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.
إنّ الإنسان الذي يُلقَّن باستمرار أنّ كل ما يحدث حوله هو نتيجة تقصيره الشّخصي قد يفقد قدرته على التّفكير النّقدي تّجاه الواقع. وبدل أن يسأل عن الفساد وسوء الإدارة والاحتكار والاستغلال، ينشغل في اتّهام نفسه باستمرار. وهكذا يتحوّل الشّعور الدّيني النّبيل إلى عبء نفسي، ويتحوّل الوعي الأخلاقي إلى أداة لإنتاج الطّاعة والاستسلام.
لا يعني هذا نفي أثر الأخلاق والدّين في حياة المجتمعات، فالقيم الدينية الصّادقة تُسهم في بناء الإنسان الصّالح والمجتمع المتماسك. لكنّ الخلل يكمن في تحويل الدّين إلى تفسير وحيد لكل الظّواهر، أو إلى وسيلة لإعفاء أصحاب السّلطة من مسؤولياتهم تّجاه النّاس.
إنّ المؤمن الحقيقيّ يجمع بين الأمرين: محاسبة النّفس ومحاسبة الواقع. يراجع تقصيره الشّخصي، لكنّه لا يغفل عن نقد الظّلم والفساد. ويسعى إلى رضا الله، لكنّه يدرك أنّ الله لا يطلب منه الاستسلام للباطل أو تبرير أخطاء البشر باسم القدر أو الذنب أو العقاب الإلهي.
فالوعي الديني النّاضج لا يصنع إنسانًا يعيش في عقدة الذّنب الدّائمة، بل يصنع إنسانًا حرًّا ومسؤولًا، يعرف حدود تقصيره الفردي، كما يعرف مسؤوليّة المؤسّسات والأنظمة في صناعة الأزمات. وعندها فقط يتحوّل الدّين من أداة لتبرير الواقع إلى قوة أخلاقيّة تُسهم في إصلاحه وتغييره.
كما يُنظر في بعض المقاربات النّقدية للفكر الاجتماعي إلى “الإقطاع الدّيني” بوصفه نمطًا من الهيمنة الرمزية يقوم على احتكار تفسير النّصوص والمعاني الدّينية، وتحويل العلاقة بين الإنسان والدّين من علاقة بحثٍ حرّ عن الحقيقة والقيم إلى علاقة خضوعٍ لسلطةٍ تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة. وفي هذا السياق، قد يجري توجيه اهتمام الأفراد نحو الانشغال الدّائم بمسألة النّجاة الفردية ورضى الله بمعزلٍ عن مسؤولياتهم الاجتماعيّة والتّاريخية، بما يحدّ من قدرتهم على ممارسة التّفكير النّقدي ومساءلة الواقع. وعندما تتداخل السّلطة الدّينية مع السّلطة السّياسية أو الحزبية، يصبح الدّين أحيانًا أداةً للتّعبئة والضّبط الاجتماعي، حيث يُطلب من الأتباع الطّاعة أكثر مما يُطلب منهم الفهم، والامتثال أكثر مما يُطلب منهم الحوار. ومن منظور فلسفة التّحرر، فإنّ الوعي الإنساني لا يكتمل إلا عندما يتحرّر الفرد من كل أشكال الوصاية الفكرية، فيمارس حقّه في النّقد والسّؤال والمراجعة، لأنّ الإيمان الحقيقيّ لا يتناقض مع العقل، بل يزداد عمقًا كلّما اتّسعت مساحة الحريّة والمسؤوليّة والوعي.
الأحد في 14/6/2026
الدكتور: عبّاس حيدر

