نبيه بري… سياسة التّوازن في زمن الانقسامات

نبيه بري… سياسة التّوازن في زمن الانقسامات
كتب الدكتور: عباس حيدر

في زمنٍ تتكاثر فيه الاصطفافات، وتشتدّ فيه الانقسامات الدّاخلية والإقليمية، تبقى قيمة رجل السياسة في قدرته على بناء الجّسور لا في زيادة المتاريس. ومن هذا المنطلق، يبرز موقف الرئيس نبيه بري كمسار سياسي يقوم على الحوار، والتّواصل، والحرص على إبقاء لبنان ضمن مساحة التّوازن والاستقرار.
إنّ تأكيده على عمق العلاقة مع المملكة العربية السعودية يعكس رؤية سياسية تعتبر أنّ لبنان لا يستطيع النّهوض إلا بعلاقاته العربية المتوازنة، وأنّ الانفتاح على الأشقّاء العرب يشكّل عنصر قوّة وطنيّة لا مصدر خلاف. فالمملكة، بما تمثّله من ثقل عربي، كانت ولا تزال شريكًا أساسيًّا في دعم استقرار لبنان ومساعدته في المراحل الصّعبة.
كما أنّ حديثه عن العلاقة مع مختلف الرئاسات اللبنانية يعكس قناعة بأنّ إدارة الاختلاف داخل المؤسسات أفضل من تحويل الخلافات إلى صراعات تُضعف الدولة. فالسياسة النّاجحة لا تعني غياب التّباين، بل القدرة على تنظيمه ضمن إطار يحفظ المصلحة الوطنية.
وفي موقفه من العلاقة بين المسلمين السنّة والشّيعة، يختصر الرئيس بري فكرة أساسية: أنّ لبنان لا يُحمى بإلغاء الآخر، بل بالتّفاهم معه. فالتّاريخ لا يُبنى بمنطق الغلبة، بل بمنطق الشّراكة، لأنّ الوطن الذي يجمع الجميع لا يمكن أن يستمر إلّا بتكريس ثقافة العيش المشترك.
كما أنّ موقفه من الحرب السّورية، وابتعاده عن الانخراط العسكري فيها رغم صعوبة المرحلة، يعكس قراءة سياسية مختلفة رأت ضرورة الحفاظ على لبنان من تداعيات الصراعات الإقليمية، وإبقاء الأولوية لحماية الدّاخل اللبناني.
قد يختلف اللبنانيون في تقييم التّجارب السياسية والخيارات المختلفة، وهذا حقّ طبيعيّ في الحياة الديمقراطية، لكن لا يمكن إنكار أنّ الرئيس نبيه بري كان حاضرًا في معظم المحطّات الوطنية الكبرى، محاولًا لعب دور الوسيط وصاحب قنوات التّواصل المفتوحة مع مختلف الأطراف.
في زمن الأزمات، تحتاج الأوطان إلى رجال دولة يمتلكون القدرة على الحوار بقدر امتلاكهم القدرة على الموقف. وربما تكون أهم رسالة في مسيرة الرئيس بري أنّ لبنان لا يُدار فقط بالصّراخ والانقسام، بل بالحكمة، والصّبر، وفنّ المحافظة على خيوط التّواصل مهما اشتدّت العواصف.

Leave A Reply