د. محمد عاصي –
“إن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه. “قالها موسى الصدر
ليست قيمة هذه العبارة في كلماتها القليلة فقط، بل في ما تختزنه من فلسفة سياسية تتجاوز زمنها.فحين تحدث الإمام موسى الصدر عن لبنان، لم يكن يتحدث عن جغرافيا فحسب، ولا عن تسوية مؤقتة بين الطوائف، بل عن وطن نهائي ودولة قادرة على جمع أبنائها وحمايتهم وتحقيق العدالة بينهم.
في آب، لا يعود الإمام موسى الصدر مجرد اسم في ذاكرة اللبنانيين، ولا مجرد رجل اختفى ذات يوم في ليبيا وترك وراءه سؤالًا مفتوحًا منذ عقود. في آب، يعود الإمام موسى الصدر لأن لبنان نفسه يعود إلى الأسئلة التي حملها الرجل في مشروعه:
.. ما معنى الدولة؟ أين تبدأ السيادة وأين تنتهي؟ لماذا يشعر المواطن بأن الدولة بعيدة عنه عندما يحتاج إليها أكثر؟ وكيف يمكن بناء وطن لا تتحول فيه الطوائف إلى بدائل عن الدولة؟
أقرأ الإمام موسى الصدر، كباحثٍ في العلاقات الدولية، كرجل دين دخل المجال العام لا لكي ينافس الدولة على سلطتها، بل لكي يدفع المجتمع نحو الدولة؛ وكسياسي رأى أن العدالة الاجتماعية ليست ترفًا، بل شرطًا للسيادة والاستقرار. كان مشروع الإمام موسى الصدر محاولة لصهر النسيج الداخلي اللبناني، لا لإلغاء تنوعه، وتحويل التعدد من مصدر خوف إلى مصدر قوة.
وهنا تكمن إحدى أكثر المفارقات قسوة في التجربة اللبنانية: رجل دين كان يريد دولة أقوى من الطوائف، بينما أنتج النظام السياسي رجالًا جعلوا الدولة أضعف من طوائفهم.
كان الإمام موسى الصدر يدرك أن الدولة لا تُبنى في بيروت وحدها، وأن لبنان لا يمكن أن يكون دولة مكتملة إذا بقي الجنوب على هامش اهتمامها. فالجنوب لم يكن بالنسبة إليه هامشًا جغرافيًا أو مجرد خط تماس، بل كان اختبارًا لمعنى لبنان نفسه.
كان يريد أن تكون الدولة حاضرة في الجنوب: في الجيش، والقضاء، والتنمية، والإدارة، والتعليم، والصحة، والاقتصاد والأمن. لأن المواطن الذي لا يرى دولته في حياته اليومية، يصعب عليه أن يثق بها عندما تصبح حياته مهددة.
ومن هنا يمكن فهم إصرار الإمام موسى الصدر على حضور مؤسسات الدولة، وفي طليعتها الجيش اللبناني، في الجنوب. لم تكن المسألة انتشارًا عسكريًا فقط، بل فلسفة سيادية كاملة: أن تكون الأرض تحت مسؤولية الدولة، وأن يكون المواطن محميًا بها، وأن يكون الجيش تعبيرًا عن سيادة الوطن.
اليوم، يقف لبنان أمام معادلة شديدة القسوة: اعتداءات إسرائيلية متواصلة على الأراضي اللبنانية، وانتهاكات للسيادة، وواقع إقليمي مضطرب، مقابل دولة تعاني من أزمة سياسية واقتصادية ومؤسساتية عميقة، ومجتمع منقسم حول الأمن والدفاع والسلاح والعلاقة مع الخارج.
لكن من الضروري كسر المعادلة الزائفة التي تقول: إما مقاومة إسرائيل، وإما الدولة.
فالاعتداء الإسرائيلي لا يبرر ضعف الدولة، كما أن ضعف الدولة لا يمنح إسرائيل أي شرعية للاعتداء على لبنان. إسرائيل مسؤولة عن انتهاك السيادة اللبنانية عندما تعتدي على الأراضي اللبنانية، ولبنان في المقابل مسؤول عن بناء قدرته على حماية سيادته ومواطنيه.
الدولة القوية ليست تنازلًا أمام إسرائيل؛ بل هي أحد أعمق أشكال مواجهتها على المدى الطويل.
وأخطر ما يمكن أن يحدث للبنان أن يتحول الجنوب إلى «ساحة». فالساحة تعني أن الآخرين يتصارعون فوق أرضك، أما الدولة فتعني أنك صاحب القرار في أرضك.
الجنوب ليس ساحة مفتوحة للحسابات الإقليمية. إنه أرض لبنانية، وأهله مواطنون لبنانيون، وأمنهم مسؤولية وطنية، وسيادتهم ليست مادة تفاوضية.
لقد أدرك الإمام موسى الصدر مبكرًا أن تغييب الجنوب يعني تغييب جزء من الدولة، وأن ترك المواطن يشعر بأنه متروك لمصيره يخلق فراغًا ستملؤه بالضرورة قوى أخرى.
لذلك فإن حضور الدولة في الجنوب لا ينبغي أن يكون عسكريًا فقط. الدولة التي تصل إلى الجنوب بالجيش وحده، ولا تصل إليه بالجامعة والمستشفى والطريق وفرص العمل والقضاء والتنمية، تبقى دولة ناقصة.
السيادة تبدأ من العدالة قبل أن تصل إلى الحدود.
ومن السهل اختصار الأزمة اللبنانية بكلمة واحدة: السلاح. لكن اختزال أزمة بهذا العمق في السلاح وحده يعني تجاهل السؤال الذي أنتج المشكلة: لماذا احتاج جزء من المجتمع اللبناني، في مراحل تاريخية معينة، إلى قوة خارج الإطار المؤسساتي للدولة كي يشعر بأنه قادر على الدفاع عن نفسه؟
فهم هذا السؤال لا يعني منح شرعية دائمة لتعدد مراكز القوة، كما أن بناء الدولة لا يعني إلغاء مخاوف الناس.
الدولة النهائية لا يمكن أن تقوم على تعدد مراكز القرار السيادي، لكن لا يمكن أيضًا مطالبة المواطن بالتخلي عن أدوات حمايته بينما الدولة عاجزة عن حمايته.
وهنا تكمن قوة مشروع الإمام موسى الصدر: لم يكن يريد مجتمعًا قويًا على حساب الدولة، ولا دولة قوية على حساب المجتمع، بل دولة قوية لأنها عادلة، ومجتمعًا قويًا لأنه يثق بدولته.
كثيرًا ما تحدث اللبنانيون عن «نهائية الكيان اللبناني»، لكن السؤال الأعمق هو: هل الدولة اللبنانية نهائية؟
نهائية الدولة تعني ألا تكون هناك منطقة خارج مسؤوليتها، ولا مواطن يحتاج إلى دولة بديلة كي يشعر بالأمان، ولا طائفة تمتلك قرارًا سياديًا مستقلًا، ولا قوة خارجية تستطيع تحويل لبنان إلى ساحة لتصفية حساباتها.
وتعني أن تمتلك الدولة جيشًا قويًا، ومؤسسات شرعية، ودبلوماسية فاعلة، وقضاءً قادرًا، واستراتيجية وطنية واحدة للدفاع عن السيادة.
من السذاجة السياسية تجاهل أن إسرائيل تستفيد من لبنان المنقسم والضعيف. فكلما انقسم اللبنانيون حول مفهوم السيادة، تراجع القرار الوطني، وكلما ضعفت المؤسسات، أصبح التدخل الخارجي أكثر سهولة.
ولهذا فإن بناء الدولة اللبنانية ليس خدمة لإسرائيل، بل العكس. الدولة القوية هي التي تستطيع أن تقول لإسرائيل: هذه أرضي، وهذه حدودي، وهذه سيادتي. وهي التي تستطيع أن تقول للمجتمع الدولي: نحن دولة مسؤولة عن أرضنا وشعبنا.
أما القرار 1701، مهما بلغت أهميته، فلا يستطيع أن يبني دولة. القرارات الدولية قد تؤسس لإطار قانوني وسياسي، لكنها لا تبني مستشفى، ولا جامعة، ولا اقتصادًا جنوبيًا، ولا جيشًا، ولا ثقة بين المواطن ومؤسساته.
الدولة لا تُستورد من الخارج، والسيادة لا تُمنح بقرار دولي؛ السيادة تُبنى في الداخل ثم تُحمى في الخارج.
لا يمكن لأحد أن يدعي معرفة ما كان سيقوله الإمام موسى الصدر اليوم، لكن يمكن قراءة منطقه: الجنوب، المواطن، الدولة، الجيش، العدالة، ورفض الاحتلال، بالتوازي مع رفض أن يصبح الاحتلال ذريعة دائمة لتعليق بناء الدولة.
في كل آب، نستعيد الإمام موسى الصدر. لكن ربما آن الأوان أن يتحول آب من شهر للحزن على الغياب إلى شهر لاستعادة المشروع.
لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الرثاء. لبنان يحتاج إلى ما كان الإمام موسى الصدر يريده: دولة عادلة في الداخل، قوية بمؤسساتها، حاضرة على كامل أراضيها، قادرة على حماية مواطنيها، متمسكة بسيادتها، رافضة للاحتلال، ومتصالحة مع تعددها.
لقد غاب الإمام موسى الصدر جسدًا، لكن السؤال الذي تركه لم يغب: أين الدولة التي أرادها؟
الدولة ليست خصم الجنوب؛ الدولة هي التي تجعل الجنوب لبنانيًا. والجيش ليس بديلًا عن حماية لبنان؛ الجيش هو التعبير المؤسسي عن حق لبنان في حماية نفسه.
لهذا، فإن فكر الإمام موسى الصدر ليس حنينًا إلى رجل غائب، بل حبل النجاة لفكرة لبنان الدولة.
فلبنان لا يحتاج إلى انتصار طائفة على طائفة، ولا إلى انتصار محور على محور، بل إلى انتصار الدولة على منطق الساحة.
أن يصبح لبنان دولة لا ساحة، والجنوب جزءًا من الدولة لا هامشًا عليها، والمواطن محميًا بوطنه لا مضطرًا إلى البحث عن وطن آخر داخل وطنه.
وربما هنا، بعد عقود على اختفاء الإمام موسى الصدر، يصبح غيابه أكثر حضورًا من أي وقت مضى.
ويبقى السؤال الذي ينتظر جوابًا:
متى يصبح لبنان دولة كاملة السيادة، بحيث لا يحتاج شعبه إلى أحد غير دولته كي يشعر بأنه محمي؟
هناك، تحديدًا، يبدأ الخلاص.
د. محمد عاصي
أستاذ جامعي

