المحامية الدكتورة ندى يونس
إن النزاعات المسلحة المعاصرة أفرزت أنماطاً جديدة من التدابير العسكرية التي تؤثر بصورة مباشرة في السكان المدنيين، ومن أبرزها إنذارات الإخلاء التي توجهها القوات المسلحة إلى سكان مناطق معينة، مطالبة إياهم بمغادرة منازلهم أو مناطق إقامتهم خلال مهلة محددة، تحسباً لعمليات عسكرية وشيكة.
وتثير هذه الإنذارات إشكالية قانونية دقيقة، ذلك أن القانون الدولي الإنساني لا ينظر إلى السكان المدنيين بوصفهم طرفاً في النزاع، بل يوجب على أطراف النزاع اتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنيبهم آثار الأعمال العدائية أو الحد منها، وفقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني. وفي هذا السياق، يشكل التحذير المسبق من الهجمات إحدى الوسائل الأساسية لحماية المدنيين.
لكن إنذار الإخلاء لا يصبح مشروعاً لمجرد صدوره عن سلطة عسكرية، كما أن مجرد توجيه إنذار إلى السكان لا يعني فقدانهم الحماية التي يمنحهم إياها القانون الدولي الإنساني. فالإنذار، حتى يكون فعالاً، يفترض أن يكون واضحاً، وأن يصدر في الوقت المناسب، وأن يتناسب مع طبيعة الخطر، وأن يمنح المدنيين إمكانية واقعية لاتخاذ التدابير اللازمة لحماية أنفسهم.
وقد أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن قاعدة التحذير المسبق الفعال من الهجمات التي يمكن أن تمس السكان المدنيين أصبحت من قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي، وهي واجبة التطبيق في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية، ما لم تمنع الظروف ذلك.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في الحالة اللبنانية، ولا سيما في جنوب لبنان ومدينة صور، حيث شهدت المنطقة خلال الأعمال العدائية إنذارات إخلاء واسعة النطاق. وقد أفادت الأمم المتحدة بأن جيش العدو الإسرائيلي أصدر إشعارات نزوح شملت مساحة واسعة داخل مدينة صور، أعقبتها غارات جوية متعددة على المنطقة. كما وأفادت الأمم المتحدة بأن سكان صور طُلب منهم، في مناسبات متكررة، إخلاء المدينة قبل غارات جوية.
أما في عام 2026، فقد صدر إنذار بإخلاء مدينة صور ومناطق واسعة منها، بعد ضربة جوية على الطرف الشرقي للمدينة أدت، وفق وزارة الصحة اللبنانية كما نقلت وكالة رويترز، إلى مقتل ثمانية أشخاص على الأقل، ناهيك عن الإنذارات المتكررة والضربات التي كانت تحصل دون سابق إنذار.
ومن هنا تبرز أهمية دراسة هذه الإنذارات من منظور قانوني، ليس فقط لتحديد مدى مشروعيتها، وإنما أيضاً لتحديد الآثار التي ترتبت عليها، ولا سيما على السكان المدنيين، الأمر الذي يطرح الإشكالية التالية:
إلى أي مدى تشكل إنذارات الإخلاء الصادرة عن القوات الإسرائيلية تدبيراً احترازياً مشروعاً لحماية السكان المدنيين، ومتى تتحول، بالنظر إلى مضمونها ونطاقها وطريقة تنفيذها وآثارها، إلى وسيلة للتهجير القسري المحظور بموجب القانون الدولي الإنساني؟
يعرف الإنذار بأنه إجراء تحذيري يهدف إلى إعلام السكان المدنيين بوجود خطر محتمل أو بعملية عسكرية متوقعة، بما يتيح لهم اتخاذ التدابير اللازمة لحماية أنفسهم. وتبرز أهميته في إطار واجب اتخاذ الاحتياطات اللازمة أثناء الهجمات، ولذلك كرس البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، في المادة 57، وجوب إعطاء إنذار مسبق فعال بالهجمات التي قد تؤثر في السكان المدنيين، ما لم تسمح الظروف بغير ذلك.
وأصبحت هذه القاعدة جزءاً من القانون الدولي الإنساني العرفي، وفق دراسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر للقواعد العرفية، التي تقرر أن على كل طرف في النزاع أن يعطي إنذاراً مسبقاً وفعالاً للهجمات التي قد تؤثر في السكان المدنيين، ما لم تمنع الظروف ذلك.
ولكن فعالية الإنذار لا تتوقف على مجرد إصداره، بل يفترض أن تتوافر فيه شروط معينة، منها الوضوح، والتوقيت المناسب، وتحديد نطاق الخطر، وإمكانية وصول الإنذار إلى السكان، فضلاً عن إمكانية وصول السكان أنفسهم إلى مكان آمن.
وقد أثير هذا الأمر في لبنان عندما صدرت بعض الإنذارات عبر وسائل التواصل الاجتماعي وفي أوقات ليلية، الأمر الذي أثار تساؤلات حول مدى وصولها إلى جميع السكان، ولا سيما كبار السن والمرضى والأشخاص الذين قد لا يتمكنون من متابعة هذه الوسائل، كما يثير التساؤل حول الوقت المتاح فعلياً أمام المدنيين لاتخاذ قرار المغادرة والوصول إلى مكان آمن.
ومن المتعارف عليه في القانون الدولي الإنساني أن توجيه إنذار لا يعفي القوة المهاجمة من الالتزام بقواعد التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات أثناء الهجوم.
فالتحذير ليس ترخيصاً بالهجوم، وإنما هو أحد التدابير الوقائية التي تهدف إلى الحد من الضرر الواقع على المدنيين.
وبالتالي، حتى بعد صدور الإنذار، تبقى القوة المهاجمة ملزمة باتخاذ الاحتياطات الممكنة لتقليل الخسائر في صفوف المدنيين، وفقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني.
كما أن عجز المدني عن تنفيذ الإنذار، أو اختياره البقاء لأسباب مشروعة، لا يحوله بسبب ذلك إلى هدف عسكري يبرر الهجوم. فقد يكون عدم القدرة على المغادرة مرتبطاً بعوامل كثيرة، كالمرض، أو التقدم في السن، أو العجز، أو عدم وجود وسائل نقل، أو عدم وجود مكان آمن يستطيع الانتقال إليه.
وقد أثارت منظمة العفو الدولية مخاوف بشأن الاتساع الجغرافي للإنذارات في جنوب لبنان، واعتبرت أن الإنذارات شديدة الاتساع قد تثير تساؤلات حول ما إذا كان الهدف الفعلي منها هو حماية المدنيين من هجوم محدد، أم دفع أعداد كبيرة من السكان إلى النزوح.
فطلب إخلاء مبنى أو شارع محدد يختلف، من الناحية القانونية والعملية، عن طلب إخلاء مدينة بأكملها.
إذاً، وفقاً للقانون الدولي الإنساني، لا يكفي مجرد وصف الإجراء بأنه إنذار لإضفاء المشروعية عليه، بل يجب النظر إلى مضمونه ونطاقه وتوقيته والظروف التي صدر فيها، وكذلك إلى آثاره الفعلية على السكان.
كما أن الضرورة تشكل عنصراً أساسياً في التمييز بين الإخلاء المشروع والتهجير غير المشروع. فالإخلاء الذي يتم بهدف حماية السكان خلال عملية عسكرية معينة ومحددة يختلف عن الإجراء الذي يؤدي عملياً إلى إزالة السكان من منطقة معينة لفترة طويلة أو بصورة دائمة.
وهنا يطرح السؤال الأساسي:
هل كان المقصود حماية السكان من خطر محدد ومؤقت، أم أن النتيجة الفعلية كانت تغيير الوجود السكاني في المنطقة؟
وللإجابة عن هذا السؤال، لا بد من النظر إلى مجموعة من العناصر، منها مدة النزوح، وطبيعة العمليات العسكرية، وإمكانية العودة، وحجم الدمار، والظروف التي رافقت النزوح، والسياسات والإجراءات المتبعة تجاه السكان.
وهنا لا بد من طرح الأسئلة التالية:
١. هل كان الإنذار محدداً؟
في الوقائع التي شهدتها مدينة صور، لم تكن الإنذارات دائماً محددة، كما سجلت حالات وقوع ضربات دون إنذار مسبق، الأمر الذي يثير التساؤل حول مدى الالتزام بقاعدة التحذير المسبق وفعاليتها.
٢. هل كان الإنذار في الوقت المناسب؟
إن توقيت الإنذار يشكل عنصراً أساسياً في تقييم فعاليته، ولا سيما عندما يصدر في ساعات متأخرة من الليل، حيث تكون قدرة السكان على التحرك والوصول إلى أماكن آمنة أكثر صعوبة.
٣. هل كان نطاقه متناسباً مع الخطر؟
إن اتساع نطاق بعض الإنذارات يثير بدوره تساؤلات حول مدى تناسبها مع الخطر العسكري الذي استندت إليه، خصوصاً عندما تمتد آثار العمليات العسكرية إلى أحياء سكنية ومناطق لم تكن هي وحدها محل الإنذار.
٤. هل استمرت الحماية المدنية لمن لم يتمكن من المغادرة؟
إن عدم تمكن المدني من تنفيذ الإنذار لا يؤدي، بحد ذاته، إلى فقدانه الحماية القانونية، ولا يحوله إلى هدف عسكري مشروع لمجرد بقائه في منزله أو في المنطقة المشمولة بالإنذار.
٥. هل كان الإخلاء مؤقتاًيح أم أدى عملياً إلى منع السكان من العودة؟
وهنا تكمن إحدى أهم الإشكاليات القانونية. فالإخلاء الذي تفرضه ضرورة عسكرية محددة يفترض، من حيث المبدأ، أن يكون مرتبطاً بتلك الضرورة، وأن يكون مؤقتاً بالقدر الذي تقتضيه الظروف. أما إذا استمر النزوح لفترة طويلة، أو أصبح السكان غير قادرين على العودة بسبب الدمار أو استمرار العمليات العسكرية أو غيرها من الظروف، فإن الأمر يستوجب بحث مدى تحوله من تدبير وقائي إلى صورة من صور التهجير القسري.
وعليه، فإن تحول الإخلاء من وسيلة لحماية المدنيين إلى وسيلة تؤدي عملياً إلى إفراغ منطقة من سكانها بصورة دائمة أو شبه دائمة يجعل المسألة أكثر خطورة من الناحية القانونية.
إن إنذار الإخلاء لا يستمد مشروعيته من اسمه أو من صدوره عن سلطة عسكرية، وإنما من مدى مطابقته لشروط القانون الدولي الإنساني، ومن كونه إجراءً حقيقياً لحماية المدنيين، لا وسيلة لإجبارهم على ترك مناطق إقامتهم بصورة غير مشروعة.
ويتبيّن من دراسة إنذارات الإخلاء التي طالت مدينة صور خلال الأعمال العدائية أن الإنذار، وإن كان يمكن أن يشكل وسيلة احترازية لحماية المدنيين، لا يكتسب مشروعيته بمجرد صدوره، وإنما بمدى وضوحه وفعاليته وتناسبه مع الخطر وإمكانية تنفيذه بصورة آمنة.
كما أن تكرار الإنذارات واتساع نطاقها، وما يترتب عليها من نزوح واسع وصعوبة في عودة الأهالي إلى منازلهم، يطرح إشكالية قانونية تتعلق بالحد الفاصل بين الإخلاء الوقائي المشروع والتهجير القسري المحظور.
وتبقى مدينة صور نموذجاً بارزاً لدراسة هذه الإشكالية، بما يستوجب توثيق الإنذارات والعمليات العسكرية وآثارها على السكان، وتقييمها في ضوء قواعد القانون الدولي الإنساني، مع التأكيد أن بقاء المدني في منزله بعد صدور الإنذار لا يسقط عنه الحماية القانونية المقررة له بموجب القانون الدولي الإنساني.

