العقوبات الأمريكية على إيران بين إكراه القوة وقيود القانون الدولي: هل يسقط النظام الدولي عندما يصبح القانون رهينةً لموازين القوة

د.محمد عاصي –

. لم تعد العقوبات الاقتصادية الأمريكية المفروضة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية مجرد أداة من أدوات السياسة الخارجية أو وسيلة للضغط في إدارة الخلاف السياسي بين واشنطن وطهران، بل أصبحت قضية قانونية دولية تكشف أزمة أعمق تتصل بالعلاقة بين القوة والقانون في النظام الدولي. فالسؤال لم يعد فقط ما إذا كانت العقوبات قادرة على تغيير سلوك الدولة المستهدفة، وإنما: ما حدود مشروعية استخدام القوة الاقتصادية في العلاقات الدولية؟ وهل تستطيع دولة منفردة أن تجعل من قوانينها الوطنية أداة ذات آثار تتجاوز إقليمها وسيادتها؟

ينبغي، من منظور القانون الدولي، تجنب التعميم بالقول إن كل عقوبة اقتصادية أحادية الجانب غير مشروعة، كما لا يجوز اعتبارها مشروعة لمجرد صدورها عن دولة ذات قوة اقتصادية وسياسية. فالمسألة ترتبط بالسند القانوني للتدبير، وطبيعته، وأهدافه، ووسائله، وآثاره، ومدى توافقه مع قواعد القانون الدولي العرفي والاتفاقي.

ويشكل ميثاق الأمم المتحدة نقطة الانطلاق. فالمادة 2/1 تؤكد مبدأ المساواة في السيادة بين الدول، والمادة 2/3 تفرض تسوية المنازعات بالوسائل السلمية، بينما تحظر المادة 2/4 التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة. كما تكرس المادة 2/7 مبدأ عدم التدخل في الشؤون التي تدخل في الاختصاص الداخلي للدول، مع مراعاة تدابير الإنفاذ الواردة في الفصل السابع.

غير أن السؤال القانوني الدقيق هو: هل تمثل العقوبات الاقتصادية «استخدامًا للقوة» بالمعنى المقصود في المادة 2/4؟ لا يمكن تقديم إجابة مطلقة. فقد نظرت محكمة العدل الدولية في قضية الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا وضدها في تدابير اقتصادية أمريكية، ولم تعتبر الإجراءات الاقتصادية محل النزاع، بذاتها، خرقًا لمبدأ عدم استخدام القوة. إلا أن المحكمة أكدت في الوقت نفسه الطبيعة العرفية لمبدأ عدم التدخل، وربطته بمفهوم الإكراه في المجالات التي تتمتع الدولة فيها بحرية سيادية.

ومن هنا تكمن أهمية العقوبات الأحادية المعاصرة، ولا سيما عندما تتحول إلى عقوبات ثانوية ذات آثار خارج الإقليم. فالدولة التي تفرض العقوبات لا تكتفي أحيانًا بمنع مواطنيها وشركاتها من التعامل مع الدولة المستهدفة، بل تضغط على شركات ومصارف ودول ثالثة لكي تلتزم بنظام العقوبات الأمريكي، تحت طائلة فقدان الوصول إلى الأسواق أو النظام المالي الأمريكي. وهنا يبرز سؤال السيادة والاختصاص خارج الإقليم: إلى أي مدى تستطيع دولة واحدة أن تجعل تشريعاتها الوطنية ذات أثر فعلي على دول ومؤسسات لا تخضع لولايتها الإقليمية؟

وتزداد الإشكالية عندما تتسع دائرة العقوبات لتطال قطاعات اقتصادية بأكملها. فالعقوبات، وإن قُدمت سياسيًا باعتبارها وسيلة لاستهداف الحكومة أو المؤسسات الرسمية، لا تبقى آثارها بالضرورة محصورة في النخبة السياسية. فالاقتصاد الوطني منظومة مترابطة؛ ولذلك يمكن أن تنعكس العقوبات على العملة، والاستثمار، والإنتاج، والتجارة، وفرص العمل، والقدرة الشرائية، والوصول إلى السلع والخدمات الأساسية. وهنا يصبح المواطن العادي، الذي لا يشارك في صناعة القرار السياسي، طرفًا متأثرًا بصراع دولي لا يملك أدوات التحكم فيه.

وهذا يضع العقوبات أمام اختبار آخر يتعلق بالقانون الدولي لحقوق الإنسان. فالحق في الحياة والصحة والغذاء والعمل ومستوى معيشي لائق ليست مجرد اعتبارات سياسية، وإنما حقوق محمية في منظومة قانونية دولية واسعة. ومن ثم فإن تقييم العقوبات يجب ألا ينحصر في العلاقة بين الدولة الفارضة للعقوبات والدولة المستهدفة، بل يجب أن يأخذ في الاعتبار الآثار الواقعية للتدبير على السكان المدنيين، ومدى تناسب الوسيلة مع الهدف، وإمكانية انتقال العقوبة من الضغط السياسي الموجه إلى الإضرار المجتمعي الواسع.

أما القول بأن العقوبات تشكل انتهاكًا للقواعد الآمرة في القانون الدولي Jus Cogens، فيحتاج إلى قدر من الدقة العلمية. فالمادة 53 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات تعرف القاعدة الآمرة باعتبارها قاعدة من قواعد القانون الدولي العام قبلها المجتمع الدولي للدول ككل، ولا يجوز الانتقاص منها ولا تعديلها إلا بقاعدة لاحقة من الطبيعة نفسها. لذلك لا يمكن وصف كل عقوبة اقتصادية، بمجرد كونها أحادية، بأنها خرق لقاعدة آمرة. لكن عندما تؤدي التدابير إلى انتهاكات جسيمة لحقوق أساسية محمية بقواعد ذات مرتبة آمرة، فإن المسألة تنتقل من مجرد خلاف سياسي حول العقوبات إلى بحث المسؤولية الدولية وآثار انتهاك القواعد الأعلى مرتبة في النظام القانوني الدولي.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى بين العقوبات الأحادية والعقوبات التي يفرضها مجلس الأمن. فالمادة 24 من الميثاق تمنح مجلس الأمن المسؤولية الرئيسية عن حفظ السلم والأمن الدوليين، والمادة 25 تلزم الدول الأعضاء بقبول وتنفيذ قراراته، بينما تسمح المادة 41، في إطار الفصل السابع، باتخاذ تدابير لا تنطوي على استخدام القوة، ومنها قطع العلاقات الاقتصادية. وبالتالي فإن التدابير التي يقررها مجلس الأمن تستند إلى آلية جماعية منشأة بموجب الميثاق، بينما تستند العقوبات الأحادية أساسًا إلى القانون الوطني للدولة التي تفرضها.

غير أن الأزمة الأعمق تتمثل في شلل مجلس الأمن عندما تصطدم القاعدة القانونية بمصالح القوى الكبرى. فالفصل السادس يوفر آليات التسوية السلمية، والفصل السابع يتيح اتخاذ تدابير جماعية في مواجهة تهديد السلم أو الإخلال به، لكن فعالية هذه الآليات تبقى مرتبطة بالواقع السياسي داخل المجلس، ولا سيما بحق النقض. وعندما يعجز المجلس عن التحرك، تتسع الفجوة بين النص والممارسة، ويصبح ميزان القوى عاملًا حاسمًا في تحديد مدى قدرة القانون الدولي على التطبيق.

ومن هنا تتجاوز قضية العقوبات الأمريكية على إيران حدود العلاقة بين واشنطن وطهران لتصبح اختبارًا للنظام الدولي ذاته. فإذا استمرت الدول الكبرى في استخدام قوتها الاقتصادية لفرض إرادتها خارج إطار العمل الجماعي، وإذا بقي مجلس الأمن عاجزًا عن ممارسة وظيفته، فإن العالم قد يتجه نحو نظام تصبح فيه القوة الاقتصادية بديلًا عن آليات القانون الدولي.

وقد نشهد مستقبلًا ثلاثة مسارات: استمرار العقوبات وتوسيع استخدامها بوصفها أداة دائمة للإكراه؛ أو ظهور منظومات مالية وتجارية بديلة تقلل من فعالية العقوبات الأحادية؛ أو المسار الأخطر، وهو تحول ميزان القوة إلى المحدد العملي لمدى احترام القانون.

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في عقوبة اقتصادية بعينها، بل في احتمال تآكل الفكرة التي قام عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية: أن تكون القوة خاضعة للقانون، لا أن يكون القانون تابعًا للقوة. فإذا استمر عجز المؤسسات الدولية عن تطبيق الميثاق بصورة متساوية، فإن السؤال الذي سيبقى مفتوحًا أمام فقهاء القانون الدولي والعلاقات الدولية هو: هل نحن أمام أزمة مؤقتة في النظام الدولي، أم أمام بداية السقوط التدريجي لفكرة القانون الدولي نفسها عندما يصبح مجلس الأمن رهينةً لموازين القوة؟ د .محمد عاصي . استاذ جامعي

Leave A Reply