لم يعد صيادو صور يعودون من البحر بالغلة التي عرفوها قبل سنوات. بعض الأسماك التي كانت مألوفة في شباكهم وأسواق المدينة باتت أقل حضورًا، وأصناف مثل السلطان إبراهيم البلدي والمرمور واللَّقس والبَرّاق أصبحت، بحسب خبرة الصيادين، أكثر ندرة من السابق. والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل تغيّر الصيد فقط، أم أن البحر نفسه يتغيّر؟
تراجع الثروة السمكية في شواطئ صور لا يرتبط بسبب واحد. فالصيد الجائر، ولا سيما اصطياد الأسماك الصغيرة قبل بلوغها مرحلة التكاثر، يضعف قدرة المخزون السمكي على التجدد. ويضاف إلى ذلك الصيد خلال مواسم التكاثر، واستخدام وسائل صيد غير قانونية أو غير انتقائية قد تلحق ضررًا بالأسماك وبالبيئة البحرية معًا.
لكن الصورة لا تتوقف عند الصيد. فارتفاع حرارة مياه البحر المتوسط يغيّر تدريجيًا ظروف الحياة البحرية. بعض الأنواع قد تتراجع أو تنتقل بحثًا عن مياه أكثر ملاءمة، فيما تظهر أو تزداد أنواع أخرى أكثر ارتباطًا بالمياه الدافئة. وهذا يعني أن ما يجري قد لا يكون مجرد انخفاض في الكميات، بل تحولًا في تركيبة النظام البيئي البحري نفسه.
ويأتي التلوث ليزيد من حجم المشكلة. فمياه الصرف الصحي والنفايات البلاستيكية والزيوت والمواد الكيميائية تؤثر في جودة المياه وفي السلسلة الغذائية البحرية. كما تشكّل بعض الأنواع البحرية الوافدة عامل ضغط إضافيًا من خلال المنافسة على الغذاء والموائل.
في المقابل، لا يمكن حماية البحر بالقوانين وحدها. فالرقابة على وسائل الصيد وأحجام الشباك والأسماك الصغيرة المعروضة للبيع، والتشدد في مكافحة الصيد المخالف، تبقى عناصر أساسية في أي خطة جدية لحماية المخزون السمكي.
ومع ذلك، لا يجوز تحميل الصياد التقليدي وحده مسؤولية ما يحدث. فهو من أول المتضررين من تراجع الأسماك، وحماية البحر تعني أيضًا حماية مصدر رزقه. لذلك تحتاج المعالجة إلى تعاون فعلي بين الصيادين والبلديات والجهات الرسمية والباحثين والهيئات البيئية.
المطلوب اليوم ليس منع الصيد، بل تنظيمه بما يسمح للبحر بأن يجدّد نفسه: حماية الأسماك الصغيرة، احترام مواسم التكاثر، مكافحة التلوث والصيد المخالف، حماية الموائل البحرية، وإنشاء مناطق بحرية مدروسة، إلى جانب متابعة علمية دورية لما يحدث في بحر صور.
فإذا كانت أسماك عرفها الصيادون لأجيال تتراجع، فيما تظهر أنواع أخرى مرتبطة بارتفاع حرارة المياه، فإن المسألة لم تعد فقط: أين اختفت الأسماك؟ بل أيضًا: أي بحر سيكون أمام صور في السنوات المقبلة؟
حماية هذا البحر ليست قضية الصيادين وحدهم، بل قضية مدينة كاملة ارتبط تاريخها وهويتها ورزق أهلها به، ومسؤولية الحفاظ عليه اليوم هي ما سيحدد ما إذا كان سيبقى غنيًا وحاضرًا في حياة الأجيال المقبلة.
رئيس ومدير عام إدارة حصر التبغ والتنباك اللبنانية “الريجي”
م. ناصيف سقلاوي
