الرفض…الأساس الخفي لكثير من معاناة الإنسان

كتب الدكتور: عبّاس حيدر

ليست المشكلة دائمًا في ما يحدث لنا، بل في موقفنا الدّاخلي مما حدث ويحدث وما قد يحدث.

فالإنسان قد لا يتألّم من الماضي بقدر ما يتألّم من رفضه للماضي؛ يرفض خسارةً وقعت، أو علاقةً انتهت، أو خطأً ارتكبه، أو فرصةً ضاعت. فيظلّ يُعيد المشهد في ذهنه، وكأنّه يستطيع تغيير ما انتهى. وهنا يتحوّل الماضي من تجربة نتعلّم منها إلى سجن نسكنه.

وقد يكون مصدر القلق ليس المستقبل نفسه، بل رفض عدم قدرتنا على معرفة المستقبل والسيطرة عليه. نريد ضمان الغد قبل أن يأتي، ونبحث عن إجابات لأسئلة لم تُطرح بعد، فنصنع في أذهاننا سيناريوهات الخوف، ثم نعاني من أحداث ربّما لن تقع أصلًا.

أمّا الحاضر، فقد يصبح ثقيلًا حين نرفضه أيضًا؛ فنشعر بالضّجر والملل والسأم، لأنّنا لا نعيش اللحظة كما هي، بل نقارنها بما نريد أن تكون عليه. نكون بأجسادنا هنا، لكنّ أرواحنا معلّقة بماضٍ لا يعود أو مستقبل لم يأتِ.

من هنا يمكن النّظر إلى القبول بوصفه مهارة نفسية عميقة، لا ضعفًا ولا استسلامًا. أن أقبل الماضي يعني أن أتوقّف عن محاكمته، لا أن أبرّر أخطاءه. وأن أقبل المستقبل يعني أن أعترف بأنّني لا أملك الغيب، لكنّني أملك الاستعداد له. وأن أقبل الحاضر يعني أن أراه كما هو، ثم أسأل: ماذا أستطيع أن أفعل الآن؟

والقبول لا يعني أن نستسلم للواقع؛ فالإنسان قد يقبل حقيقة وجود المشكلة، ثم يعمل على تغييرها. وقد يقبل الألم، ثم يبحث عن طريق للتّعافي. وقد يقبل خسارته، ثم يبدأ من جديد.

وهنا تبرز مسؤولية التّربية؛ فنحن لا نحتاج فقط إلى تعليم الطّفل كيف ينجح، بل كيف يتقبّل الفشل، ويتعامل مع الخسارة، ويحتمل الانتظار، ويتعايش مع ما لا يستطيع تغييره، ويبحث عن الحلّ فيما يستطيع تغييره.

فالطّفل الذي نعلّمه أنّ الخطأ نهاية، سيخاف من التّجربة. والذي نعلّمه أن الخسارة عار، سيهرب من المواجهة. والذي نربّيه على ضرورة السيطرة على كلّ شيء، سيكبر وهو عاجز أمام المجهول.

أمّا التربية الناضجة، فتعلّمه أنّ الحياة ليست كلّها تحت السّيطرة، وأنّ القوّة ليست في التّحكّم بكلّ شيء، بل في إدارة الذّات أمام ما لا نستطيع التّحكّم به.

وفي البعد الرّوحي، يصبح القبول أعمق حين يتحوّل إلى تسليم لله بعد الأخذ بالأسباب؛ أن أفعل ما أستطيع، وأن أتحمّل مسؤوليتي، ثم أترك ما يتجاوز قدرتي لمن يعلم ما لا أعلم.

ربّما لا نستطيع أن نمنع الألم من طرق أبوابنا، لكنّنا نستطيع أن نمنعه من أن يتحوّل إلى سجن دائم. ولا نستطيع أن نعرف كلّ ما يحمله الغد، لكنّنا نستطيع أن ندخل إليه بقلب أكثر ثقة. ولا نستطيع تغيير كل ما في حاضرنا، لكنّنا نستطيع أن نبدأ من النّقطة التي نقف عليها الآن، وحين يتوقّف الإنسان عن محاربة ما لا يستطيع تغييره، تبدأ طاقته بالتّحوّل من المقاومة إلى الفعل، ومن القلق إلى الوعي، ومن الألم إلى الوضوح.

ولعلّ أجمل ما في التّسليم أنّه لا يسلب الإنسان إرادته، بل يحرّره من وهم السّيطرة المطلقة؛ فيسعى حيث يستطيع، ويصبر حيث يعجز، ويثق حيث لا يعرف.

﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

Leave A Reply