حسين سعد ـ المدن
تتجه يومياً في ساعات الصباح السيارات المجهزة المحملة بحليب البقر، من مناطق البقاع إلى الجنوب، لتوزيع كميات من الحليب على تجار جنوبيين، يختصون في تحويل الحليب إلى لبن وأجبان، داخل معامل صغيرة وكبيرة، تتولى بدورها توزيع هذه المنتجات على السوبر ماركات والمحال التجارية.

قبل الحرب الأخيرة، كان أبناء المناطق الجنوبية، لا سيما المناطق المحتلة حالياً، يعتمدون على إنتاج مزارع الأبقار المحلية، ومعامل تجميع الحليب المنتشرة في عدد من بلدات المنطقة، إلى جانب إنتاج صغار المزارعين. لكن الحرب الأخيرة قضت على أكثر من 80 في المئة من الثروة الحيوانية في مناطق بنت جبيل ومرجعيون وصور والنبطية والعرقوب، وأصابت قطاع الأبقار والمواشي والدواجن، وحتى النحل، بخسائر جسيمة، ما تسببت بقطع أرزاق آلاف العائلات.
بعد وقف إطلاق النار، وانقضاء أشهر على العودة إلى المناطق الجنوبية، خارج الخط الأصفر، لم يتمكن المزارعون من استئناف عملية اقتناء الأبقار، جراء فقدان أرصدتهم المالية واستمرار العدوان، الذي يحرم مربي المواشي والرعاة من التوجه إلى المراعي، لا سيما في مناطق واديي الحجير والسلوقي وزبقين وعين عرب وشبعا وحلتا – كفرشوبا، ما دفعهم إلى بيع القسم الأكبر من هذه المواشي.
لا توجد أرقام دقيقة لأعداد الأبقار والمواشي التي نفقت في خلال الحربين، لكن كان من نتائجهما كانت تغييب هذا القطاع الحيواني، الذي يتغنى به المزارعون الجنوبيون، ويعتبر هذا القطاع من الركائز الاقتصادية والحياتية والريفية. وقد نجم عن هذا الوضع ارتفاع في أسعار الألبان جنوباً، ووصل سعر”السطل“ زنة خمسة كيلوغرامات، إلى حوالي 700 ألف ليرة. وتعيد إحدى صاحبات معامل الألبان والأجبان في بلدة معركة فريال حجازي سبب هذا الارتفاع إلى التقلب السريع في أسعار المحروقات وعمليات النقل والمواد الأولية على اختلافها.

العرقوب: آلاف رؤوس المواشي
أصبح رمزي غسان عبد العال، من بلدة كفرشوبا- حلتا، عاطلاً من العمل، بعدما خسر قطيعه من الماعز، خلال عدواني 2024- 2026، والبالغ عددها 1200 رأس ماعز.
يروي عبد العال لـ”المدن” مسيرة الخسائر المتواصلة منذ العام 2024، كواحد من أبناء حلتا، التي يعتمد أهلها، وغالبيتهم من آل عبد العال، على القطاع الزراعي وتربية المواشي.
ويقول، لقد “خربت بيوتنا وأصبحنا نشتهي اللقمة بعدما فقدنا مقومات عيشنا، المتمثلة بقطعان المواشي، جراء الحروب المستمرة”.
ويتابع عبد العال بحسرة كبيرة، “إن تربية المواشي، نتوارثها في المنطقة الغنية بالرعي والمياه، أباً عن جد. وأنا بدأت مسيرتي في هذا المجال قبل 14 عاماً، وعند اندلاع الحرب كنت عريساً جديداً، وأصبحت أباً لولدين، لكنني اليوم أصبحت بلا عمل بعدما فقدت باب الرزق الوحيد، وتدمير حظيرة المواشي التي نملكها مؤخراً من جانب جيش الاحتلال الإسرائيلي، إلى جانب تجريف سبعين شجرة زيتون، وأيضاً إقدام الجيش الإسرائيلي على اعتقال ثلاثة من أفراد العائلة قبل أسبوع”.
انخفاض العدد من 20 ألفاً إلى المئات
قبل اندلاع الحرب في العام 2024، بفترة وجيزة، تصدى اسماعيل ناصر، ابن كفرشوبا، بجسده لجرافة إسرائيلية، كانت تتقدم إلى أراضي البلدة، عندما كان يرعى قطيع الماشية الذي يملكه في المنطقة- الخريبة.
ويؤكد ناصر لـ”المدن” أن منطقة كفرشوبا- حلتا، وشبعا وعين عرب والوزاني، وكانت تضم قبل اندلاع الحرب والاعتداءات الإسرائيلية أكثر من عشرين ألف رأس من الماعز. لكن هذا العدد انخفض إلى بضع مئات، جراء نفوق عدد كبير من قطعان المواشي جراء القصف، ونزوح أصحابها، ودفعهم لبيع مواشيهم بأسعار متدنية، بعدما ضاقت بهم كل السبل، إلى جانب افتقادهم للمراعي، التي أصبحت محرمة عليهم نتيجة الوجود المستمر لجنود الاحتلال وعمليات القصف والتمشيط والاعتقالات.
خسائر بمئات آلاف الدولارات
“تعب 40 سنة راح” بهذه العبارة اختصر المزارع هاني بزيع، إبن بلدة زبقين، في قضاء صور، معاناته، جراء خسارتين متتاليتين لمزرعة الأبقار التي كان يمتلكها في زبقين، إلى جانب حوالي 25 ألف طير من الدجاج.
ويقول بزيع لـ”المدن” إن العدوان الإسرائيلي، في العام 2024 أدى إلى نفوق 12 رأس بقر. لكنني جددت المزرعة بشراء 14 رأس مرة أخرى. ويضيف: جاء عدوان عام 2026، فقضى على ما تبقى من أمل، لناحية استعادة الحيوية والنشاط ومواصلة هذه المسيرة التي بدأتها شاباً. فخلال الحربين خسرت أكثر من 25 رأساً من الأبقار، ثمن الواحدة يقارب 4000 دولار أميركي، إضافة إلى تدمير قسم من معمل العلف، وتضرر منزلي بشكل كببر. بحيث تقدر خسائري بنحو 500 ألف دولار. والآن أستطيع القول إننا أصبحنا تحت سابع أرض، لقد اختربت بيوتنا، وأصبحنا بلا عمل”.
من دون مواش
كان رعاة المواشي من أبناء بلدة فرون، قضاء بنت جبيل، وجيرانهم، يعتمدون على محلة وادي الحجير، التي تكسوها الأعشاب لرعي مواشيهم.
بعد العدوان الإسرائيلي الأخير 2026، وإقامة ما يسمى المنطقة الصفراء، أصبحت منطقة الوادي، الذي يمتد من قعقعية الجسر وحتى عيترون، محرمة عليهم، كما على سائر أبناء المنطقة.
دفع هذا الواقع أحد أصحاب المواشي محمد شحادة وأخوانه إلى بيع قطيعهم، المؤلف من 300 رأس ماعز بعد عودتهم من النزوح.
وقال شحادة لـ”المدن” خلال العدوان الأخير، نزحنا إلى بلدة برجا الشوفية، وتم احتضاننا مع مواشينا على أفضل ما يرام، على مدى أربعة أشهر، ولكن بعد عودتنا من النزوح إلى فرون المدمرة، لم نجد سبيلاً إلا بيع هذا القطيع بنصف قيمته الحقيقية، مؤكداً بأن أربع عائلات كانت تعتاش من مردود هذا القطيع، وأصبحت جميعها دون مصدر للرزق، وأيضاً دون منازل تأويها.
عيترون
مزارعو عيترون المحتلة كانوا يمتلكون، حوالي 400 رأس بقر ومئات رؤوس المواشي من ماعز وأغنام، إضافة إلى معملي تجميع حليب، من أكبر المعامل في لبنان، أحدهما تملكه البلدية، وباتت جميعها، كما بيوت البلدة ومؤسساتها، في خبر كان.
مع انتهاء التهجير الثاني عام 2026، بترك المزارع إبراهيم خريزات، أبقاره في الزريبة في بلدته عيترون، ونجا مع عائلته، بعدما نزح مع مئات الآلاف إلى خارج الجنوب صبيحة الثاني من آذار.
ويقول خريزات، بعد عدوان العام 2024، وسريان الهدنة، عدنا إلى عيترون، لإعادة العمل في قطاع المواشي، لكن الحرب الأخيرة المتواصلة بأشكال مختلفة، دمرت ممتلكاتنا ومصادر عيشنا، وأصبحنا عاطلين من العمل.
إبادة قطاع المواشي
يؤكد نائب رئيس نقابة مربي المواشي والدواجن في الجنوب هاني بيضون، أن أكثر من 75 في المئة من العاملين في هذا القطاع أصبحوا بلا مصدر للرزق، بعدما نفقت أبقارهم ومواشيهم أو بيعت بسبب الحرب بأسعار أقل من نصف ثمنها.
وقال لـ”المدن” إن الثروة الحيوانية في الجنوب، تعرضت لشبه إبادة. فالمزارعون الذين باعوا ممتلكاتهم، باتوا غير قادرين على شراء البديل منها، وذلك بعدما اضطروا لصرف هذه الأموال أثناء التهجير وبعده. إضافة إلى ارتفاع أسعار الأبقار بنسبة أربعين بالمئة.
وأضاف أن من نتائج الحرب، أصبحت براري وحقول الجنوب، خالية من قطعان الماعز والأغنام، التي كانت تشكل مصدراً للرزق، مؤكداً بأن المطلوب دعم الدولة للمزارعين، وإلا لن تقوم قيامة لهذا القطاع.
