لبنان: من تراكم الأزمات إلى التحوّل الكيفي… هل نحن أمام نهاية صيغة وبداية أخرى؟

كتب د. محمد عاصي-

 

ليست التحولات الكبرى في حياة الدول وليدة حادثة منفردة، ولا تُصنع في لحظة واحدة، بل تنضج في رحم التراكم. فالأزمات المتتالية، والاعتداءات، والانقسامات، والتدخلات الخارجية، حين تتوالى وتتفاعل، قد تبلغ لحظة تاريخية يصبح معها استمرار الواقع القديم أكثر صعوبة من ولادة واقع جديد. هنا تحديدًا يصبح السؤال اللبناني أكثر من مجرد سؤال سياسي: هل اقترب لبنان من اللحظة التي يتحول فيها التراكم الكمّي إلى تحوّل كيفي؟ وإذا كان كذلك، فأيّ لبنان سيولد؟

منذ هيغل، ثم ماركس وإنغلز، ارتبط فهم التحولات الكبرى بفكرة أن التغير الكمي المتراكم يمكن أن يبلغ حدًا نوعيًا يغيّر طبيعة الظاهرة. فالماء لا يصبح بخارًا بإضافة درجة واحدة بمعناها المجرد، وإنما نتيجة تراكم حراري يصل إلى عتبة محددة، عندها تتغير حالته. وفي التاريخ السياسي، قد تتراكم الأزمات سنوات طويلة قبل أن تنتج انقلابًا في بنية النظام أو في موازين القوى.

لبنان يعيش منذ عقود هذا النوع من التراكم: اعتداءات إسرائيلية متكررة، احتلال لأجزاء من أرضه، خروقات للسيادة، تدخلات خارجية، أزمات اقتصادية واجتماعية، انقسامات حول الدولة والسلاح والقرار الوطني، وعجز متكرر عن تحويل السيادة القانونية إلى قدرة فعلية على حماية الأرض. غير أن الخطأ هو النظر إلى كل أزمة باعتبارها حدثًا منفصلًا؛ فالمشكلة الحقيقية تكمن في تفاعلها وتراكمها.

والتاريخ يعلمنا أن الشعوب لا تقيس قوتها فقط بحجم ما تملكه من إمكانات، بل بقدرتها على تحويل الضعف إلى إرادة، والإرادة إلى صمود، والصمود إلى مكاسب سياسية. وهنا تبرز المقاومة اللبنانية باعتبارها ظاهرة تتجاوز بعدها العسكري؛ فقد نشأت في سياق الاحتلال والاعتداء، ثم تحولت إلى عنصر أساسي في معادلة الردع والصراع على الأرض والسيادة. ومن منظور القانون الدولي، لا يستطيع التفوق العسكري أن يمنح الاحتلال شرعية، كما أن الحقوق الوطنية لا تسقط لمجرد اختلال موازين القوة.

لكن التحول الحقيقي لا يكمن في استمرار الصراع إلى ما لا نهاية، بل في القدرة على تحويل القوة المتراكمة إلى نتيجة سياسية وتاريخية. فالمقاومة التي تحمي الأرض ولا تساهم في بناء الدولة تبقى قوة معلقة في الفراغ، والدولة التي تطالب بالسيادة من دون امتلاك القدرة على حمايتها تبقى سيادتها ناقصة. أما المعادلة الأكثر نضجًا فهي أن تتحول المقاومة إلى عنصر قوة في مشروع الدولة، وأن تتحول الدولة إلى الإطار الشرعي الذي يحفظ نتائج الصمود ويحميها.

من هنا يمكن تصور ثلاثة مسارات أمام لبنان. الأول هو أن يتحول التراكم إلى إنهاك، فيُدفع لبنان إلى تسوية تفرضها موازين القوى الخارجية. والثاني أن يتحول إلى انقسام داخلي أعمق، فتتحول السيادة والمقاومة من قضية وطنية إلى أدوات صراع داخلي. أما المسار الثالث، والأكثر قابلية لأن يشكل تحولًا تاريخيًا إيجابيًا، فهو أن يتحول التراكم إلى إعادة تأسيس لمعادلة وطنية جديدة: دولة قوية، ومؤسسات قادرة، ومقاومة تحمي الحقوق، وقرار وطني يستفيد من عناصر القوة بدل أن يتنازع معها.

وهذا هو معنى «لبنان المقاوم المنتصر». فالانتصار لا يعني بالضرورة حسم حرب شاملة عسكريًا، ولا يعني إخضاع الخصم بالقوة. الانتصار الاستراتيجي هو أن يفشل الأقوى في فرض إرادته السياسية، وأن يحتفظ الطرف الأضعف بحقوقه، وأن يتحول الصمود إلى قدرة تفاوضية، وأن تصبح القوة وسيلة لتثبيت السيادة لا سببًا لاستمرار الانقسام.

لقد أثبت التاريخ أن الاحتلال يستطيع فرض السيطرة فترة من الزمن، لكنه لا يستطيع بالضرورة صناعة الشرعية. وتجارب التحرر الوطني في القرن العشرين تؤكد أن موازين القوى ليست ثابتة، وأن الشعوب تستطيع، عندما تتراكم إرادتها السياسية والميدانية، أن تجعل من القضية التي تبدو مستحيلة في لحظة ما قضية قابلة للتحقق في لحظة لاحقة.

وهنا تكتسب المرحلة اللبنانية الراهنة أهميتها. فالتحدي ليس فقط في مواجهة الاعتداء الإسرائيلي، ولا في معالجة التدخلات الخارجية، ولا في إدارة الانقسام الداخلي، بل في منع هذه العناصر من التحول إلى قدر دائم. المطلوب تحويل التراكم السلبي إلى تراكم إيجابي: تراكم للقوة، وللوحدة الوطنية، وللقدرة المؤسسية، وللحضور الدبلوماسي، وللتمسك بالحقوق التي يقرها القانون الدولي.

إن لبنان الذي قد يولد من هذه المرحلة لا ينبغي أن يكون لبنان المنهار أو المستسلم، كما لا ينبغي أن يكون لبنان المنقسم بين الدولة والمقاومة. الصورة الأكثر ترجيحًا، إذا أحسن اللبنانيون إدارة لحظتهم التاريخية، هي لبنان الذي يجمع بين قوة الدولة وقوة المجتمع، بين الشرعية والمؤسسات والقدرة على الدفاع، وبين المقاومة كعنصر قوة وطنية والدولة كإطار جامع ونهائي للقرار.

ذلك أن التحول الكيفي لا يعني موت لبنان، بل يمكن أن يعني إعادة صياغته. فالأزمة قد تكون مقدمة لانهيار إذا أُديرت بعجز وانقسام، لكنها قد تصبح مدخلًا إلى ولادة وطن أكثر صلابة إذا تحولت التضحيات إلى مشروع سياسي، والصمود إلى قوة تفاوض، والقوة إلى سيادة.

السؤال إذًا ليس: هل سينتصر لبنان أم سيهزم؟ السؤال الأعمق هو: أي لبنان سيخرج من هذه المرحلة؟ فإذا خرج أكثر ضعفًا وانقسامًا، يكون التراكم قد أنتج انهيارًا كيفيًا. أما إذا خرج أكثر تمسكًا بأرضه، وأكثر قدرة على حماية حقوقه، وأكثر توحدًا حول مؤسساته، وأكثر قدرة على استخدام عناصر قوته في مواجهة الخارج، فإن التراكم سيكون قد أنتج ولادة سياسية جديدة.

وهنا تكمن فلسفة اللحظة اللبنانية: ليس المطلوب أن تنتصر المقاومة على الدولة، ولا أن تنتصر الدولة على المقاومة؛ المطلوب أن ينتصر لبنان بالدولة والمقاومة معًا، وأن يتحول الصمود إلى سيادة، والتضحيات إلى حقوق، والقوة إلى دولة.

فربما لا تكون نهاية الصيغة اللبنانية نهاية لبنان، بل بداية صيغة جديدة: لبنان المقاوم، المنتصر لحقوقه، والقادر على تحويل ما تراكم من أزمات إلى لحظة تأسيس تاريخية جديدة.

د. محمد عاصي

أستاذ في القانون الدولي والعلاقات الدولية.

Leave A Reply