الدكتور: عبّاس حيدر
يُقال: “راقب أفكارك لأنّها ستصبح كلماتك… وراقب كلماتك لأنّها ستتحوّل إلى أفعالك… وراقب أفعالك لأنّها ستصنع سلوكك… وراقب سلوكك لأنّه سيتحوّل إلى عاداتك… وراقب عاداتك لأنّها ستشكّل شخصيتك… وراقب شخصيتك لأنّها ستحدّد مصيرك.” وهذه الحكمة لا تنطبق على الأفراد فقط، بل على الجماعات والأحزاب والجمعيات والتّنظيمات، بل وعلى الأوطان بأكملها.
عندنا في لبنان، لم تبدأ الأزمات يوم انهارت الليرة، ولا يوم تعطّلت المؤسّسات، ولا حتّى يوم اشتعلت الحروب. لقد بدأت يوم تحوّلت الفكرة السياسيّة من خدمة الإنسان إلى تقديس التّنظيم، ومن بناء الدولة إلى بناء الولاءات، ومن المواطنة إلى الاصطفاف.
كلّ تنظيم سياسي يبدأ بفكرة. فإن كانت الفكرة قائمة على الحريّة، والعدالة، والشّراكة، واحترام الإنسان، أنجبت خطابًا مسؤولًا وسلوكًا وطنيًّا. أمّا إذا تأسّست على التّخويف، واحتكار الحقيقة، وإلغاء الآخر، فإنّها مع الوقت تُنتج أفرادًا لا يرون الوطن إلا من نافذة الحزب، ولا الحقيقة إلا بما يقوله الزّعيم.
ولهذا، فإنّ أخطر ما يمكن أن يصيب أي حزب أو جمعية أو تنظيم هو أن يتوقّف عن مراجعة أفكاره. فعندما تصبح الأفكار عقائد مغلقة لا تقبل النّقد، تتحوّل الكلمات إلى شعارات، والشّعارات إلى تعبئة، والتعبئة إلى انقسام، والانقسام إلى أزمة وطنيّة يدفع ثمنها الجميع.
ليس المطلوب من الإنسان أن يتخلّى عن قناعاته أو انتمائه، بل أن يحافظ على حريّته الفكريّة داخله. فالانتماء الذي يمنع صاحبه من السّؤال، أو من الاعتراف بالخطأ، أو من رؤية معاناة النّاس خارج حدود تنظيمه، يتحوّل من وسيلة للعمل العام إلى قيدٍ على العقل والضّمير.
لقد أثبتت التجربة اللبنانية أنّ الأحزاب، مهما اختلفت شعاراتها، ليست معصومة من الخطأ. بعضها قدّم تضحيات كبيرة، وبعضها أسهم في حماية جماعاته، وبعضها أخفق في إدارة الشّأن العام أو في بناء مؤسّسات الدّولة. لذلك، فإنّ المراجعة النّقدية ليست خيانة، بل دليل نضج ومسؤوليّة. فالتّنظيم الذي يخشى النّقد يحكم على نفسه بالجّمود، أمّا الذي يفتح أبوابه للمحاسبة فيمنح نفسه فرصة للتّطور.
إنّ مستقبل لبنان لن يتحدّد بعدد الأحزاب ولا بقوّة الشّعارات، بل بنوعيّة الأفكار التي تُربّى عليها الأجيال. فإذا تربّى الشّباب على أنّ الولاء للوطن يسمو على أيّ ولاء آخر، وأنّ الدّولة هي المرجع الجّامع، وأنّ الكرامة لا تكتمل إلا بالعدالة وسيادة القانون، فإنّ السياسة تصبح وسيلة لبناء الإنسان لا لاستنزافه.
قبل أن نراقب أداء السياسيين، علينا أن نراقب الأفكار التي نسمح لها بأن تسكن عقولنا. فالأوطان لا تسقط فجأة، بل تسقط عندما يتنازل النّاس عن حقهم في التّفكير الحرّ، ويستبدلون السّؤال بالتّصفيق، والنّقد بالتّبرير، والمواطنة بالعصبيّة.
إنّ لبنان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الشّعارات، بل إلى شجاعة فكريّة تعيد الاعتبار للعقل، وإلى ثقافة سياسيّة ترى في الاختلاف فرصة للحوار لا سببًا للعداء، وإلى تنظيمات تعتبر نفسها جزءًا من الدّولة لا بديلًا عنها. فعندما تُبنى السياسة على وعيٍ حرّ، يصبح الانتماء قوّةً للوطن، لا عبئًا عليه، ويصبح مصير اللبنانيين مشتركًا تحت راية دولةٍ عادلة، لا تحت راياتٍ متنافسة.
الاثنين في 20/7/2026

