حينما تُدرَّج الحقيقة بالدم، وتسقط الصورة تحت ركام المجازر، يصبح للكلمة معنى آخر، ويغدو للصحافة دور يتجاوز نقل الخبر إلى الشهادة عليه…
هناك، في أقصى الجنوب اللبناني، حيث الأرض تقف على حافة النار وتطلّ على فلسطين المحتلة، كانت آمال خليل تمارس مهنتها كما يمارس المؤمن صلاته؛ بثبات، وبقلب يعرف أن للحقيقة أثمانًا باهظة…
في الطيري، القرية المعلقة على تخوم الوطن والوجع، والجارة الوفيّة لـبنت جبيل، حاضرة جبل عامل، لم تكن المسافة بين الموت والحياة سوى خبر عاجل، ولا بين الدمار والنجاة سوى لحظة… ومع ذلك، بقيت الكاميرا مفتوحة، وبقي القلم مستيقظًا، لأن من يعرف الجنوب يدرك أن الصمت فيه خيانة، وأن السكوت على الدم مشاركة في سفكه…
ليست الصحافة في مثل هذه الأمكنة مهنةً عادية، ولا وظيفةً تُؤدّى من خلف المكاتب…
إنها وقوف في وجه الرعب، ومشيٌ بين البيوت المهدّمة، وإنصاتٌ لصوت الأمهات وهنّ يعدن أسماء الغائبين…
إنها أن ترى ما يهرب الآخرون من رؤيته، وأن تقول ما يخشى كثيرون قوله…
وهذا ما فعلته آمال خليل، وهي تحمل الجنوب في نبضها، وتحمل الحقيقة في صوتها…
في الجنوب، لا يُقاس الناس بأعمارهم بل بما احتملوه من وجع، ولا تُقاس النساء بضعفٍ مفترض، بل بما يحملنه من صبر وصلابة…
ومن هذا المعنى، كانت آمال خليل ابنة أرضها؛ تعرف دروب القرى كما تعرف دروب الحكاية، وتعرف أن لكل حجر هناك ذاكرة، ولكل شجرة شاهدًا، ولكل شهيد اسمًا لا يضيع…
حين تُقتل الصورة، تبقى الكلمة حيّة…
وحين يُستهدف الصحافي لأنه ينقل الحقيقة، يصبح حضوره فعل مقاومة…
لذلك لم تكن آمال خليل مجرّد مراسلة في الميدان، بل كانت صوت الجنوب وهو يروي جراحه للعالم، ووجهه وهو يرفض أن يُختصر في نشرات الأخبار…
كانت شاهدةً على زمنٍ أراد أن يطمس الحقيقة، فكتبتها بجرأة، وحملتها إلى الناس أمانةً لا تسقط…
صور في :29 نسيان 2026
صدر داوود

