كتب المحامي علي كوثراني –
في وطنٍ كلبنان، لا يُختزل التنوّع الديني في كونه واقعاً اجتماعياً فحسب، بل هو ركيزة تأسيسية لكيان الدولة، وجوهر ميثاقها الوطني غير المكتوب. فالتعايش الإسلامي–المسيحي لم يكن يوماً شعاراً عابراً، بل ممارسة يومية تجسّدت في مختلف مراحل بناء الدولة، وارتقت إلى مستوى الشراكة الفعلية في صناعة القرار وصون الهوية الوطنية.
من هذا المنطلق، فإن أي تطاول على الرموز الدينية، أياً كانت الجهة المستهدفة، لا يمكن قراءته بمعزل عن خطورته على السلم الأهلي، ولا يمكن تبريره تحت أي عنوان، سواء أكان إعلامياً أم سياسياً أم حتى بذريعة حرية التعبير. فحرية التعبير، وإن كانت مصونة دستورياً، إلا أنها تقف عند حدود المساس بكرامات الآخرين ومعتقداتهم، وعند تهديد الاستقرار المجتمعي.
ومن وجهة نظر قانونية، لا بد من التذكير بأن التشريعات اللبنانية واضحة في تجريم الأفعال التي من شأنها إثارة النعرات الطائفية أو المساس بالشعور الديني، وهي أفعال تستوجب الملاحقة أمام الجهات القضائية المختصة، صوناً للنظام العام وحفاظاً على السلم الأهلي. فالقانون لم يُوضع ليُستحضر انتقائياً، بل ليُطبّق بحزم وعدالة على كل من يتجاوز حدوده.
إن المسؤولية اليوم لا تقع فقط على عاتق القضاء، بل أيضاً على وسائل الإعلام التي يُفترض أن تكون منبراً للحقيقة لا منصة للاستفزاز، وعلى القوى السياسية التي يُفترض أن ترتقي بخطابها إلى مستوى خطورة المرحلة، لا أن تنزلق إلى تغذية الانقسام.
لبنان لا يحتمل رفاهية العبث بثوابته. والتعايش الإسلامي–المسيحي ليس تفصيلاً يمكن تجاوزه، بل هو خط أحمر لا يجوز المساس به. ومن هنا، فإن التصدي لأي إساءة يجب أن يكون مزدوجاً: أخلاقياً برفضها، وقانونياً بملاحقة مرتكبيها، تأكيداً على أن هيبة الرموز من هيبة الوطن، وأن كرامة المعتقد من كرامة الإنسان.
في الخلاصة، إن صون العيش المشترك لا يتحقق بالشعارات، بل بالفعل المسؤول، وبالتمسك بدولة القانون التي تشكّل وحدها الضمانة الحقيقية لجميع أبنائها، على اختلاف انتماءاتهم.
المحامي علي كوثراني

