حسين سعد – المدن
من حاكورة نص الضيعة، وساحة النبية، إلى عقبتي صلحا ومارون، يمتد وجع لا يشبه الآلام العادية. في هذه الأحياء “البنتجبيلية”، صارت البيوت والقصور والدور والمكتبات والمساجد، مسجاة ومرمدة.
وحدهم من تبقى من عيون شاهدة متحيّنة لجنود الاحتلال، يدهم على الزناد، وسكان قبور المدينة المشرفين من تلها على حواكيرها وأسواقها، يرصدون من الداخل، ما حل بحبيبتهم، من تفجير وتدمير واقتلاع لعمرانها الضارب في التاريخ والتراث والشعر والأدب والفقه.
لكل حجر وزاوية وزاروب وساحات اللعب والطفولة، وبركة المياه، وسوقها الشعبية وملعب التحدي، حكايات يحفظها البنتجبيليون، وجيرانهم من القرى المحيطة، وحتى حدود غزة ونابلس وصفد وحوران، الذين شربوا جميعاً من مائها وأكلوا من حلوها ولبسوا من صناعاتها الجلدية.
الدمار خطف كل شيء
الدمار لم يبقِ شيئاً، خطف كل الشواهد والأيقونات، التي كان وما يزال يتباهى بها أهل هذه الأرض، ولو كانت من خلال الصور المحفوظة في ألبومات الذكريات، بالأبيض والأسود، وعلى ذاكرة هواتفهم وصفحاتهم الافتراضية.
إذاً، خسارات بنت جبيل، حاضرة جبل عامل، وطريق العبور إلى فلسطين، لا يمكن اختصارها على جنى الأعمار، من بيوت ومنازل ومؤسسات ومحال، بل تتعداها إلى محو ذاكرة المدينة، وبيوتها الحجرية، وقصورها المنتصبة نحو السماء بأموال مغتربيها ومقيميها، وصولاً إلى سجلات نفوسها ونفوس بلداتها وملفات رخص البناء وغيرها، التي ذُكر أن جنود الاحتلال حمٌلوها بشاحناتهم إلى داخل فلسطين المحتلة، بعدما تُركت في سراي المدينة، التي شيدت بعد التحرير، على مقربة من حي “السد العالي”.
يداوي أبناء بنت جبيل النازحون قهراً عن مدينتهم، كما غيرهم من أبناء القرى والمدن، وأبنائها المنتشرين في أصقاع الأرض، وخصوصاً، في ولاية ميشغن الأميركية، حيث عددهم عشرات الآلاف، يداوون ألمهم، بنشر صور مدينتهم، وكل حي من أحيائها، ومسجدها الكبير، ومنازل عمرها يفوق عمر الكيان الإسرائيلي بأضعاف مضاعفة.
إلى العدم..
مهما كان حجم الخسائر، التي تفوق مئات ملايين الدولارات، إلى جانب الخسائر التي لا تعوض، لا سيما الأرواح والمكتبات والبيوت التراثية والمعالم الأثرية والاجتماعية، فإن أبناء بنت جبيل، تبقى عيونهم شاخصة إلى الأرض، الولادة، للحياة وإعادة ما دمر، نسفاً، أو جرفاً، أو حرقاً.
بحرقة كبيرة، يقول ابن بنت جبيل المؤرخ الدكتور منذر جابر لـ”المدن”: “اليوم، صار عمران بنت جبيل إلى العدم، وباتت بيوتها مخسوفة غائبة في الأرض، وبات أهاليها منتشرين في إقامات غير محسوبة، مقطوعين عن صباحاتهم وأمسياتهم، وعن خبزهم وعن ملحهم وعن أغانيهم. هو واقع أسود ومصير يقرّ به أهالي البلدة.”
يتابع جابر، لقد خسرت بنت جبيل مكتبات مهمة، لما تحتويه من مراجع وكتب نادرة، منها: مكتبة السيد عبد الرؤوف فضل الله، مكتبة السيد علي الحكيم، نجل السيد هاشم الحكيم، ومكتبة السيد نجيب فضل الله، ومكتبة علي هادي بزي، وهي مكتبة للمراجع العاملية، ومكتبة أحمد بيضون، ومركز المطالعة والتنشيط، الذي تأسس بعد التحرير في ألعام الفين، وهو يضم آلاف الكتب، ويعتبر مرجعاً للطلاب من أبناء بنت جبيل والمنطقة، ومكتبات أخرى، لا يتسع المجال لذكرها، تملأ بيوت بنت جبيل المجبولة بالثقافة والمعرفة والبحث العلمي.
بنت جبيل، أكثر من مدينة عاملية، تقع على تل مرتفع، على علو 750 متراً، يشرف على حوران، في سوريا، وفلسطين، وقرى عاملة. وهي وفق جابر، حاضرة منذ القدم، ضاربة في عمق التاريخ، كانت وما زالت هواء فلسطين. وسوق الخميس فيها تعود تاريخ إنشائها لفترة طويلة من الزمن، وهي بحد ذاتها، سوق ثقافية واجتماعية، كان الناس يأتون إليها من غزة ونابلس في فلسطين، والرمثا، في الأردن، وتحدث عنها طويلاً الأديب الفلسطيني أميل حبيبي.
وبحسب جابر، كان يطلق على البنائين في بنت جبيل اسم “الصفدي”، نسبة إلى البنائين المهرة من أبناء صفد في فلسطين، وحجارتها المميزة، التي كانت تستخدم في بناء البيوت. بعدها صار البناؤون من أبناء المدينة، الذين توارثوا هذه المهنة، تطلق عليهم تسمية “الصفدي”. وأصبح لديهم “حي الحجارة”. لكن بعد النكبة كان يطلق عليهم “الشويري” نسبة إلى بلدة ضهور الشوير، التي كان يأتي منها العاملون في مجال بناء الحجر الصخري.
ويقول جابر في هذا السياق، إن الأشقاء محمود ومحمد وحسن سعيد بزي عملوا على تقصيب حجارة مئذنة المسجد الكبير، الذي يعود تاريخه لمئات من السنين.
ويضيف جابر: لقد بات أهالي بنت جبيل معلّقين بواقع مكسور ومصير موهوم. ومن كوابيس الألم والمعاناة نقف سائلين متسائلين: هل من الممكن أن يكون البنت جبيليّ بنت جبيليًّا، دون أن يستدعي بلدته حيًّا حيًّا، وزاروبًا زاوربًا وبيتًا بيتًا؟ ودون أن يستذكر مياه بركتها قطرة قطرة؟ هل من الممكن أن يكون البنت جبيليّ بنت جبيليًّا، دون أن يستذكر حواكيرها ميادين لهوه ولعبه، ميدانًا ميدانًا، وأشجارها شجرة شجرة وأعشاشها عشًا عشًا؟ وهل من الممكن أن يكون البنت جبيليّ بنت جبيليًّا، دون أن يستذكر بعض مشايخها الذاهلين في زوايا غرفهم في بطون التواريخ والكتب، أو المتوقّدين حيويّة وحركة في مجالس العصاري والمسايا؟ هل من الممكن أن يكون البنت جبيليّ بنت جبيليًّا إذا لم توقّع قدماه الدبكة في ساحاتها الوسيعة أو الضيّقة؟ هل يكون البنت جبيليّ بنت جبيليًّا، دون أن يستذكر الأدعية المحمولة على أرجوحة السّحَر، تهدهد نوم الأولاد في نصف إغفاءاتهم؟
ويتابع جابر: “كان من أقدار بنت جبيل، أن تفرغ من سكانها، مرة كل 29 سنة تقريبًا. كانت “الهجرة” الأولى سنة 1920، مع الحملة العسكرية الفرنسية، حملة نيجر، في أيار من تلك السنة، وكانت باتجاه بلدة “ديشوم” في الجليل الفلسطيني. وفي أواخر عام 1948، عندما احتل لواء “كرملي” الإسرائيلي 17 قرية حدودية لبنانية، كانت “الهجرة” الثانية باتجاه الداخل العاملي القريب. وتوسعت بعدها الهجرات على مراحل، على امتداد البسيطة، لتشكل مدينة ميشغن الأميركية ملاذاً للغالبية منهم، حيث يقيمون مدينتهم الثانية بكل تفاصيلها”.
يعود جابر إلى بنت جبيل القديمة، فيقول: “البلدة مكتنزة بكثير من البيوت القديمة في زمن إنشائها، وفي طريقة بنائها، من أقبية وعقود وحيطان كلّين وقناطر وأعمدة، إلى أبنية “جديدة” الطراز، تعود في إنشائها إلى ثلاثينات وأربعينات القرن العشرين، مع بداية وصول أموال الدفعات الأولى من المهاجرين إلى أمريكا وأفريقيا. وهي أبنية لها من جمال المظهر الخارجي، ومن جمال التصميم والنقوش في واجهتها الحجرية، ما يجعلها فريدة وحيدة في الجوار. كما أن بيوتاً عديدة منها تحمل توقيع معلّم بناء خلاّق، جيء به من مدينة صفد الفلسطينية، وإليه ينسب الكثير من الأعمال المعمارية المشهورة، من بينها خانات بنت جبيل، التي غييها عدوان تموز 2006″.
حارات بنت جبيل
لحارات بنت جبيل تسميات معمدة بالولادة واللعب والحب وشقاوة الأولاد. فقد فقدت حارة حاكورة نص الضيعة، إلى جانب مسجدها القديم، ودارة النائب الأسبق المرحوم علي بزي الأثرية، بيوتاً قديمة تراثية، ومنها بيت المرحوم الحاج محمد سعيد بزي، وبيت المرحوم محمد حبيب بزي وغيرهما.
وأكد ابن حارة الجامع، المربي أحمد أبو ذيب لـ”المدن” أن هذه الحارات كانت روح بنت جبيل، التي شهدت على ولادة غالبية أبناء المدينة في حقبات متعددة. ومن هذه الحارات، حاكورة نص الضيعة، وفيها المسجد الكبير، وهي معقل آل بزي، عقبة عين إبل، خلة المشتى، عقبة صلحا، عقبة عين إبل، السدري، الدورة، الدبش، عقبة مارون، الميادين، المسلخ، خلة عيسى، الجماعنة، البياضنة، اللوكس، العويني، البركة، السوق، عين الكبيرة والصغيرة، المحيريق، بيادر صف الهواء، شلعبون، السد العالي، الساحة، المسلخ، وسواها من الأحياء القديمة والحديثة.
وقال إن كل الخسارات الكبيرة في بنت جبيل، تضاعفها خسارة ارواح شبان، نذروا أنفسهم للدفاع عن مدينتهم، وجرحى معلقين بين الحياة والموت.
الحياة الثقافية والعلمية في بنت جبيل
يذكر المؤرخ محمد جابر آل صفا، في كتابه “تاريخ جبل عامل”، أن مدرسة بنت جبيل الأولى تأسّست على يد العلامة الأشهر الشيخ موسى أمين شرارة، الذي قدم من العراق. وكانت سبقته شهرته وغزارة حديثه وإسهاب وطلاقة لسانه وقدرته الخطابية بالوعظ والإرشاد. وأصبحت بنت جبيل في عصره دار العلم في جبل عامل. لكن شرارة توفي باكراً في العام 1886 فأقفلت بعده تلك المدرسة وتفرّق طلابها. ومن تلامذته خيرة علماء جبل عامل، منهم: الشيخ حسين مغنيه، السيد محسن الامين، الشيخ عبد الحسين صادق، السيد نجيب فضل الله، الشيخ عبد الكريم الزين، والشيخ موسى مغنيه، وآخرون. وكان له جملة مؤلفات، منها منظومة في الأصول تسمى الدرة، وكتب أخرى.
أصل اسم بنت جبيل
يقول السيد محسن الأمين، في كتابه، “خطط جبل عامل” (بنت جبيل) مركبة من انثى ابن ومصغر جبل: من أمهات جبل عامل على حدود فلسطين فيها سوق الخميس. كانت مركز الناحية أيام أمراء علي الصغير، وقد بنى فيها الشيخ حسين السلمان ” دار إمارة “، سكنها هو وابنه سلمان بك وأخوه تامر بك، ابن الشيخ حسين السلمان.
في عهد الانتداب الفرنسي وصلت إليها الطريق المعبدة. ومن بين جوامعها جامع عظيم بناه الحاج سليمان البزي وصاية اخيه الحاج محمد البزي من مالهما المشترك بعناية ورعاية الشيخ موسى شرارة. وبنى على أنقاض جامع قديم وأقيم له قبة عظيمة. وأعيد تجديد بنائه على يد المعمار الشهير آنذاك الحاج حميدي الصفدي باني قصر علي بك الصغير في قلعة تبنين والمعمار صالح الصفدي. وكانت أجرة حميدي نصف ليرة فرنسية ذهباً وأجرة صالح “مجيديتين”.
ويشير مصطفى بزي في كتابه “بنت جبيل – حاضرة جبل عامل”، إلى روايات منقولة عن رواة. الأولى للشيخ علي بزي نقلاً عن الخوري بولس من قرية الجش الفلسطينية. وتقول إن بنت جبيل كانت تسمى “بيت الشمس”. والثانية: نقلاً عن دراسة للشاعر ابراهيم شرارة تقول بأن إحدى أميرات مدينة جبيل قد حطت رحالها في المكان المسمى بنت جبيل وأقامت فيها إمارة، فسميت الأرض باسمها. بينما يعيد أنيس فريحة أصل تسميتها إلى جذور فينيقية محللاً جزءها الأول (بنت) بمعنى بيت أو مكان، وجزئها الثاني (جبيل) بمعنى مصنع الخزف.
الجامع القديم
صار الجامع القديم، في حي نص الضيعة، أثراً بعد عين إلى جانب عدد من المنازل الأثرية، التي شهدت على محطات سياسية واجتماعية وأدبية.
لا يوجد تاريخ موحد لإنشاء المسجد الكبير، في بنت جبيل. لكن الثابت أن المسجد، يعود إلى مئات من السنين، وتذكر لوحات تاريخية في داخل المسجد أن الحاج سليمان بزي أعاد تشييد الجامع في عصر العلامة الشيخ موسى شرارة سنة 1300 هـجري.
وحسب الراحل سهيل منيمنة، أن الجامع الكبير في بنت جبيل الجنوبية، من أقدم مساجد بنت جبيل ويقع في الطرف الجنوبي الشرقي للمدينة، وبني سنة 1134هـ/1722-1723م في عهد قبلان بن حسن بن نصار بن مشرف بن أحمد بن علي الصغير حاكم بلاد بشارة آنذاك. وتشير الكتابة المحفوظة داخل حنّية بالجدار الجنوبي إلى أن المسجد جدده الحاج علي بن أحمد البزي في التاريخ المذكور. ويتضح من لوحات النصوص التاريخية الأخرى في المسجد أن الحاج سليمان بزي أعاد التشييد على أنقاض جامع قديم بمسعى وعناية العلامة موسى شرارة سنة 1300هـ/1883م، حيث تم بناء قبة كبيرة وزيد في سعته على يد المعماريين الشهيرين أبو أحمد حميدي الصفدي وصالح الصفدي من بلدة صفد بفلسطين. وجرت أعمال ترميم وتوسعة للجامع في أواخر الستينيات من تلك الفترة على نفقة الدكتور إسماعيل عباس. وبعد تحرير المدينة سنة 2000 أجريت أعمال تأهيل عامة للمسجد، ولكنه تعرض لتدمير جزئي خلال عدوان سنة 2006 تم بعدها إقامة ورشة ترميم وتوسعة شاملة سنة 2007 بهبة من صاحب السمو الشيخ حمد أمير دولة قطر السابق.
دعوى قضائية ضد الحكومة الأميركية
في خطوة غير مسبوقة، أعلنت الرابطة العربية الأمريكية للحقوق المدنية(ACRL) رسمياً الأسبوع الماضي، عن رفع دعوى جماعية فيدرالية، تحمل الحكومة الأمريكية المسؤولية عن تدمير ممتلكات المدنيين في لبنان.
ارتفعت الأصوات وعُرضت الحقائق ووصلت رسالة واضحة: العدالة ليست اختيارية.
هذه أكثر من مجرد دعوى قضائية – إنها موقف للحقيقة والكرامة وحقوق الإنسان

