لبنان بين التحدّي الخارجي وضرورة التماسك الداخلي – كتب المحامي علي كوثراني

في ظلّ التطورات المتسارعة التي يشهدها لبنان، لم يعد ممكناً مقاربة الواقع بمنطقٍ تجزيئي أو من زاويةٍ واحدة. فالتحديات التي تواجه البلاد اليوم تتجاوز الخلافات الداخلية التقليدية، لتضع الكيان برمّته أمام اختبارٍ حقيقي.

من الناحية الدستورية، لا خلاف على أنّ الدولة اللبنانية تقوم على مبدأ السيادة ووحدة القرار، وأنّ مؤسساتها هي المرجعية الطبيعية لإدارة شؤون البلاد، لا سيّما في ما يتعلّق بقضايا الحرب والسلم. غير أنّ قراءة هذا المبدأ لا يمكن أن تتمّ بمعزلٍ عن الظروف الاستثنائية التي يمرّ بها لبنان، والتي تفرض أحياناً أولوياتٍ تتقدّم على غيرها.

وفي هذا السياق، يبرز واقع لا يمكن تجاهله:

لبنان يواجه تهديداً خارجياً جدّياً، يمسّ أمنه واستقراره، ويطال مختلف مناطقه دون تمييز.

وأمام هذا الخطر، يصبح من المشروع طرح سؤالٍ بديهي:

هل يجوز أن يبقى الداخل ساحةً مفتوحة للخلافات، في وقتٍ تتعرّض فيه البلاد لضغوطٍ بهذا الحجم؟

إنّ التجارب السابقة، كما المبادئ العامة في القانون الدستوري، تُظهر أنّ الدول في حالات الخطر الوجودي تميل إلى تعزيز تماسكها الداخلي، وتغليب المصلحة الوطنية العليا على ما عداها.

ولا يعني ذلك إلغاء التعددية أو تهميش الاختلاف، بل تأجيل الصراعات الداخلية، ريثما يتمّ تجاوز التهديد الأساسي.

المفارقة أنّ جميع الأطراف اللبنانية، على اختلاف توجهاتها، تُجمع على رفض أي اعتداء على السيادة الوطنية، وعلى ضرورة حماية الأرض والشعب.

وهذا الإجماع، وإن بدا بديهياً، يشكّل نقطة انطلاق أساسية يمكن البناء عليها، بدل تبديدها في سجالات داخلية لا تقدّم ولا تؤخّر في مواجهة الخطر القائم.

من هنا، تبرز الحاجة إلى مقاربة أكثر واقعية ومسؤولية:

مقاربة تعترف بوجود عدو يهدّد الوطن، وتضع هذه الحقيقة في صلب الأولويات، دون أن تُسقط في الوقت نفسه دور الدولة أو تُلغي مرجعيتها.

قد يكون من الطبيعي أن تختلف القوى السياسية حول العديد من الملفات الداخلية، من طبيعة النظام إلى آليات اتخاذ القرار.

غير أنّ هذه الخلافات، على أهميتها، تبقى قابلة للمعالجة ضمن الأطر الدستورية، وعبر الحوار والتوافق، متى توفّرت الظروف المناسبة.

أمّا في لحظة الخطر، فإنّ الأولوية لا يمكن أن تكون إلا لحماية الكيان، وصون الاستقرار، ومنع الانزلاق إلى انقساماتٍ قد يستفيد منها الخارج قبل الداخل.

وفي هذا الإطار، لا يبدو من المبالغة القول إنّ المرحلة الراهنة تتطلّب قدراً أعلى من المسؤولية الوطنية، يقوم على:

* الحدّ من التصعيد الداخلي،

* تعزيز لغة الحوار،

* والتمسّك بما يجمع اللبنانيين بدل ما يفرّقهم.

على أن يكون ذلك كلّه تحت سقف الدولة، وفي إطار احترام الدستور، بما يضمن عدم تحوّل الضرورات المؤقتة إلى وقائع دائمة.

في المحصلة،

قد لا يكون ممكناً اليوم حسم كلّ الإشكاليات الداخلية،

لكن من الممكن، بل من الضروري، الاتفاق على ما هو أبسط وأهم:

حماية لبنان من التهديد الخارجي أولاً،

ثم العودة إلى تنظيم الشأن الداخلي بالحوار،

بما يرضي مختلف الأطراف، ويعيد الاعتبار الكامل لمؤسسات الدولة.

فلبنان، في نهاية المطاف، لا يُبنى بالغلبة،

ولا يُحمى بالانقسام،

بل بالوحدة الوطنية والسلم الأهلي، كمدخلٍ وحيد لأي استقرارٍ حقيقي.

Leave A Reply