كتب د.محمد عاصي –
شكّلت اتفاقية الهدنة اللبنانية الإسرائيلية 1949 الإطار القانوني الأولي لتنظيم العلاقة بين لبنان وإسرائيل عقب حرب 1948، حيث كرّست نموذجاً في القانون الدولي العام ، يقوم على وقف الأعمال العدائية (cessation des hostilités) دون إنهاء حالة الحرب (état de guerre). وقد استمر هذا النموذج، مع تعديلات وظيفية، إلى أن صدر قرار مجلس الأمن 1701 عقب حرب لبنان 2006، ليؤسس لمرحلة متقدمة من إدارة النزاع (gestion du conflit) دون الوصول إلى حل نهائي للنزاع (règlement pacifique définitif).
يجمع الفقه الدولي على أن اتفاقيات الهدنة لا تُنهي الحرب بل تُعلّق العمليات العسكرية، ما يُبقي العلاقة في حالة قانونية وسطية (situation intermédiaire) بين السلم والحرب. وعليه، فإن اتفاق 1949 لم يؤسس لسلام دائم (paix durable)، بل لنظام مؤقت قابل للاهتزاز. وقد أعاد القرار 1701 إنتاج هذا المنطق من خلال تكريس وقف الأعمال العدائية (cessation des hostilités) دون بلوغ مستوى اتفاق سلام (accord de paix)، مع الإبقاء على دور اليونيفيل كآلية رقابة (mécanisme de surveillance) وضبط ميداني، بما يؤكد أن الإطار القائم يندرج ضمن إدارة النزاعات (gestion des conflits) لا حل النزاعات (résolution des conflits) وفق أدبيات العلاقات الدولية .
من حيث المبدأ، يجيز القانون الدولي العام، التفاوض (négociation) بين أطراف النزاع، استناداً إلى ميثاق الأمم المتحدة الذي يكرّس الوسائل السلمية لحل النزاعات (moyens pacifiques de règlement des différends).
غير أن هذه المشروعية الدولية تبقى مشروطة بمدى توافقها مع النظام القانوني الداخلي (ordre juridique interne)، بحيث لا يُنتج الجواز الدولي حكماً على المشروعية الداخلية (légalité interne).
في الإطار الدستوري اللبناني، تثير مسألة التفاوض مع “دولة عدوة” إشكالية تتعلق بحدود صلاحية السلطة التنفيذية (compétence de l’exécutif) وضرورة وجود تفويض دستوري (habilitation constitutionnelle) صريح، خصوصاً في القضايا السيادية. فغياب الإجماع الوطني، في مسألة بهذا المستوى يضعف الشرعية الدستورية (légitimité constitutionnelle) لأي مسار تفاوضي، ويطرح تساؤلاً حول مدى جواز الانتقال من حالة الحرب المنصوص عليها قانوناً، إلى مسار تفاوضي دون أساس واضح.
يتعزز هذا الإشكال بصورة صريحة في ضوء قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عن مجلس النواب اللبناني عام 1955، والذي يكرّس مبدأ حظر التواصل (interdiction de tout contact) مع إسرائيل، ويُجرّم أي شكل من أشكال التعامل أو التفاعل معها، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. ويكتسب هذا القانون قيمة إلزامية ضمن الهرمية القانونية الداخلية، ما يجعله جزءاً من النظام العام (ordre public interne) الذي لا يجوز للسلطة التنفيذية مخالفته أو تجاوزه دون أساس تشريعي صريح. كما تتكامل هذه الأحكام مع نصوص قانون العقوبات اللبناني التي تُجرّم الاتصال بالعدو، ما يعزّز توصيف أي تفاوض غير مؤطر قانونياً كاحتمال مخالفة قانونية (violation des dispositions légales) أو التفاف على روح القانون (détournement de l’esprit de la loi).
ولا يمكن فصل هذه الإشكالية عن مسألة الشرعية السياسية (légitimité politique) في ظل انقسام داخلي عمودي وحاد، يُعدّ من السمات البنيوية للنظام اللبناني. إذ إن أي قرار سيادي من هذا النوع، يُتخذ خارج إطار التوافق، من شأنه أن يُعيد إنتاج الانقسام على شكل صراع سياسي وربما مؤسساتي، بما يهدد وحدة القرار الوطني .
فالتفاوض مع إسرائيل لا يُنظر إليه في الداخل اللبناني كخيار تقني أو دبلوماسي فحسب، بل كخيار وجودي يمسّ الهوية السياسية والاستراتيجية للدولة، ما يجعله عرضة لتفسيرات متناقضة بين مكونات المجتمع. وتؤكد أدبيات العلاقات الدولية، أن الدول المنقسمة داخلياً تكون أكثر عرضة لتحول قرارات السياسة الخارجية (politique étrangère) إلى عوامل تفجير داخلي، خصوصاً عندما تتصل بملفات النزاع مع “العدو”.
بناءً على ما تقدم، يمكن توصيف الوضع ضمن مقاربة قانونية مركّبة: فالتفاوض يُعدّ من حيث القانون الدولي (droit international) وسيلة مشروعة، لكنه يظل موضع إشكال من حيث القانون الدستوري (droit constitutionnel) والقانون الداخلي (droit interne) في حال غياب أساس قانوني (base légale) واضح أو إجماع وطني. وعليه، فإن الانخراط في مسار تفاوضي غير مؤطر قانونياً قد يشكّل تجاوزاً للمشروعية الداخلية (dépassement de la légalité interne) تحت غطاء الضرورة السياسية (nécessité politique)، بما يضع الدولة أمام تناقض بنيوي بين التزاماتها القانونية وممارساتها الفعلية.
ومنذ عام 1949، لم ينتقل لبنان من حالة “إدارة النزاع” إلى “حل النزاع”، بل ظلّ ضمن إطار قانوني وسياسي مؤقت. غير أن الإشكالية الراهنة تتجاوز هذا الواقع، لتطرح سؤالاً أعمق حول مدى التزام الدولة نفسها بقواعدها الدستورية والقانونية. فإن التفاوض مع إسرائيل، في ظل غياب إطار قانوني واضح (cadre juridique clair) وإجماع وطني جامع (consensus national global)، لا يشكّل فقط خياراً سياسياً مثيراً للجدل، بل يطرح تحدياً مباشراً لمبدأ سيادة القانون (principe de l’État de droit). إذ إن الدولة التي تتجاوز قوانينها في إدارة علاقاتها الخارجية، تُخاطر بإضعاف شرعيتها الداخلية (légitimité interne)، حتى وإن سعت إلى تحقيق مكاسب على المستوى الدولي.
وعليه، يبقى السؤال الجوهري: هل يمكن لدولة أن تُدير نزاعاً خارجياً بفعالية، فيما هي تُنتج داخلياً نزاعاً على شرعية هذا المسار ذاته؟ وما هو مدى جدوى الانخراط في مفاوضات مباشرة (négociations directes) في ظل استمرار التوغل الإسرائيلي وغياب توازن تفاوضي فعلي (absence d’équilibre de négociation)، حيث تُطرح مسألة المكاسب المحتملة (gains potentiels) في مقابل المخاطر القانونية والسيادية التي قد تترتب على هكذا مسار؟

