صمتٌ مكسور… وضجيج الاتّهام -كتب د.عباس حيدر
حين ترى بيتًا مهدّمًا، لا تحتاج إلى خطابٍ طويل… يكفي أن تصمت قليلًا، وأن تسمح لقلبك أن يفهم قبل أن يتكلّم. لكن ما يحدث اليوم على منصّات التّواصل شيءٌ آخر؛ مشهدٌ مُقلق حيث تُختزل المأساة إلى مادةٍ للاتّهام، وتُقابَل الدموع بسيلٍ من الشّعارات الجاهزة.
في لحظة الألم، يُفترض أن تكون اللغة إنسانيّة، بسيطة، حنونة. غير أنّ البعض يسرع إلى تصنيف المتألّم: هذا صابرٌ بما يكفي، وهذا متخاذل، وهذا يُتَّهم بالخيانة فقط لأنّه عبّر عن وجعه بصراحة. كأنّ الحزن يحتاج إلى إذن، وكأنّ التّعب يجب أن يُخفي نفسه كي لا يُساء فهمه.
المشكلة ليست في الدّعوة إلى الصّبر… فالصّبر قيمة عظيمة، لكنّه حين يُفرَض كأمرٍ فوق الألم، يفقد معناه. الصّبر الحقيقيّ لا يُلقَّن من خلف الشّاشات، بل يُعاش في قلب من خسر بيته، أو فقد أمانه، أو يعيش تحت ثقل الخوف اليومي. هناك فرقٌ شاسع بين من ينصح، ومن يُملي؛ بين من يواسي، ومن يُحاكم.
الأخطر من ذلك، أنّ لغة التّخوين أصبحت أسرع من لغة التّعاطف. تُطلق الأحكام بسهولة، وتُوزَّع التُّهم بلا تردّد، وكأنّ المشاعر نفسها أصبحت موضع شكّ. فيتحوّل الإنسان من ضحيّةٍ للألم، إلى متّهمٍ في محكمة الرأيّ العام.
لكنّ الحقيقة أبسط من كلّ هذا التّعقيد: الإنسان يتألّم، وهذه كافية. لا يحتاج أن يبرّر وجعه، ولا أن يُثبت وطنيّته وهو ينزف من الدّاخل. من حقّه أن يصرخ، أن يضعف، أن يسأل: لماذا؟ دون أن يُحاصر بعبارات قاسية تُجرّده حتى من حقّ الحزن.
ربما نحتاج أن نُعيد ترتيب أولوياتنا: أن نضع الإنسان قبل الشّعارات، والقلب قبل المواقف، والرّحمة قبل الأحكام. فالوطن لا يُبنى فقط بالصّمود، بل أيضًا بقدرتنا على أن نبقى بشرًا… نشعر، نرحم، ونفهم.
في زمن الضّجيج، قد تكون أعظم الحكمة أن تُحسن الإصغاء… وأن تختار أن تكون إنسانًا، قبل أن تكون أيّ شيء آخر.

