الاعلامية جمانة كرم عياد
الشيعة وأهل جبل عامل هم السكان الأصليون للبنان،،، بينما النصارى والسنّة جاؤوا إليه كمهاجرين ووافدين عبر العصور!!!!!
من يتجرأ على القول إن شيعة لبنان ليسوا أبناء هذه الأرض، إنما يكرر خطاباً استشراقياً عمره قرون، صاغته قوى استعمارية وأدوات محلية لتبرير الإقصاء السياسي والطائفي. الحقيقة، التي يعرفها المؤرخون ويؤكدها علم الجينات وعلم الأنساب، أن الشيعة، وخاصة أهل جبل عامل، هم الامتداد الأصيل لأقدم سكان هذه البلاد، في حين أن أغلب المسيحيين والسنّة الذين يعيشون اليوم في لبنان، هم أحفاد موجات هجرة واستيطان جاءت بعد القرون الوسطى، أو في أزمنة لاحقة تحت الحكمين العثماني والفرنسي.
جبل عامل ليس مجرد منطقة جغرافية في جنوب لبنان، بل هو الاسم التاريخي لرقعة سكنها العرب منذ ما قبل الإسلام بقرون، وتحديداً قبائل عاملة القحطانية التي هاجرت من اليمن قبل الميلاد واستوطنت هذه المرتفعات الساحلية، وامتزجت بسكان الساحل الفينيقي والداخل الشامي. المصادر العربية القديمة، من اليعقوبي إلى المقدسي، توثق أن أهل جبل عامل كانوا جزءاً من النسيج العربي الجنوبي قبل الفتح الإسلامي، وأنهم اعتنقوا الإسلام مبكراً، وبايعوا علي بن أبي طالب، فصار تشيّعهم جزءاً من هويتهم قبل أن تولد أي دولة لبنانية بقرون.
في المقابل، الوجود السني الكثيف في مناطق مثل طرابلس وبيروت وصيدا، تعززه وثائق العهد العثماني التي تظهر سياسات نقل عائلات تركمانية وشركسية وعربية من مناطق أخرى، ضمن خطة السلطنة لربط الساحل الشامي إدارياً وعسكرياً بإسطنبول. هذا لا يعني غياب السنّة الأصليين، لكنه يوضح أن الكثافة السكانية السنية الحالية نتجت جزئياً عن هجرات عثمانية متعمدة بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر.
أما المسيحيون، فالكثير من عائلاتهم الكبرى استقرت في جبل لبنان في القرن السابع عشر وما بعده، قادمة من شمال سوريا، أو هاربة من مجازر المماليك والعثمانيين في كيليكيا والأناضول. الفرنسيون عززوا هذا التوزع في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، عبر مشاريع استيطان منظّمة.
كذالك هي الأبحاث الجينية الحديثة (مثل دراسات “المجلة الأوروبية لعلم الوراثة البشرية” 2017) التي تكشف أن سكان جبل عامل يحملون تركيبة جينية متقاربة جداً مع سكان جنوب سوريا وشمال فلسطين، مع بصمة جينية قديمة تعود إلى العصر الكنعاني – الفينيقي، ما يثبت الاستمرارية السكانية عبر آلاف السنين. في المقابل، يظهر لدى بعض المجموعات السنية والمسيحية نسب جيني واضح من الأناضول أو القوقاز، وهو ما يتطابق مع الروايات التاريخية عن موجات الهجرة.
وهنا وحين نفهم أن شيعة جبل عامل هم الامتداد الأصيل لسكان الساحل والداخل الجنوبي في المشرق، ندرك أن استهدافهم اليوم ليس مجرد نزاع سياسي، بل محاولة لاقتلاع جذر تاريخي يسبق الكيانات الحديثة. سلاح حزب الله ليس “مخزوناً عسكرياً” خارج الدولة كما يدّعي خصومه، بل هو الامتداد الطبيعي لثقافة الدفاع الذاتي التي عرفها جبل عامل منذ غزوات الصليبيين، مروراً بالاحتلال العثماني، وصولاً إلى الاجتياح الإسرائيلي.
التاريخ يروي أن أهل جبل عامل قاوموا الصليبيين وحدهم في مراحل ضعف الدولة الإسلامية المركزية، وأنهم تحمّلوا وحدهم أقسى حملات التنكيل العثماني بقيادة أحمد باشا الجزار، الذي قتل علماءهم ودمّر قراهم بسبب رفضهم الانصياع. واليوم، المشهد نفسه يتكرر، لكن بأدوات إعلامية ودبلوماسية، هدفها تجريد هذه الجماعة من سلاحها، تمهيداً لتجريدها من دورها ومن أرضها.
لذلك من يشكك في لبنانية شيعة جبل عامل، يتجاهل ألفي عام من الاستمرارية السكانية، ويتبنى روايات مصطنعة لشرعنة مشاريع سياسية. أما محاولات نزع سلاح المقاومة، فهي امتداد تاريخي لمشاريع الإلغاء التي فشلت أمام صمود هذه الجماعة منذ العصور القديمة.
أهل جبل عامل لم يأتوا إلى لبنان… بل لبنان وُلد في أرضهم…
