غادَرَتْ.. ولم يُغادِرْ عِطْرُها ..

 

غادَرَتْ.. ولم يُغادِرْ عِطْرُها

 

حبيبتي الدكتورة مها…

كيف أختصرُكِ في أسطر، وأنتِ أكبر من الكلمات؟ كيف أودّعُكِ، وأنتِ التي علّمتِني أن لا أتفاجأ بشيء، وها أنذا أقف أمامكِ حائرةً مذهولةً، لا أعرف كيف أتنفّس هذا الخبر؟

عشرون عامًا وأنتِ قدوتي، زميلتي، ومعلّمتي في الحياة. عشرون عامًا وأنتِ تزرعين في روحي ما لا تزرعه المدارس ولا الجامعات ولا الكتب. علّمتِني الصبرَ على الحياة ومفاجآتها، وعلّمتِني ألّا أنتظر من أحد شيئًا لأعيش مطمئنة. وأشهدُ اليوم أن معرفتكِ كانت من نِعَم الله عليّ، نعمةً لا تُقدَّر.

حبيبتي…

كلَّ صباح كنتِ تطلّين عليّ في المكتب كزهرة الغاردينيا، تلك الزهرة التي تشبهكِ في جمالها الداخلي والخارجي، في صفائها وعطرها ونقائها وأناقتها. وكان في ابتسامتكِ هالةٌ لا تُقاوَم، وحضورٌ يملأ المكان قبل أن تدخليه.

بعد هذه المجزرة الغادرة، سأفتقد صباحاتكِ الرائعة، الغاضبة، الصامدة. سأفتقد تلك اللحظة التي تناديني فيها بصوتكِ الدافئ: “يا بنتي”، كلمةٌ بسيطة كانت تحمل كلَّ معاني الحنان والاعتزاز.

حبيبتي الدكتورة…

العمل اليومي المشترك صنع بيننا ما لا تصنعه السنون وحدها، صنع رابطة الأمّ والابنة الحقيقية. أنتِ تمنحين كما تتنفّسين، وأنا أتلقّى وأحفظ وأختزن. وحين فقدتُ أمّي وأبي وظننتُ أنّ العالم ضاق، كنتِ أنتِ من وقفتِ إلى جانبي كالجبل الذي لا يتزعزع، وكالأمّ التي أعادها الله إليّ في صورة زميلة وصديقة وقدوة. كم مرّة نظرتُ إليكِ في أحلك لحظاتي وقلتُ في سرّي: “الحمد الله”

أيّتها المرأة النموذجية…

أنتِ المناضلة الهادئة، الواثقة من نفسها ومن قضيتها. أنتِ الملهِمة، العاشقة للمطالعة والمعرفة، صاحبة التفكير النقدي الجريء والرصين. أنتِ التي تعرفين كيف تتواصلين مع الإنسان كإنسان، بلا تعالٍ ولا تصنّع. كنتِ حاضرةً وفاعلةً في كلّ ميدان إنساني وخدماتي ورعائي، تبثّين الوعي والعزيمة وروح الحماس في قلب كلّ من عرفكِ وجلس إليكِ.

لن أنسى إيمانكِ العميق بلبنان الواحد، وبثقافة العيش المشترك، وقبولكِ الآخرَ بكلّ طيف ولون. هذا ما تعلّمناه جميعًا من مدرسة الإمام السيد موسى الصدر، وأنتِ حملتِه وبثّيتِه في كلّ لقاء وكلّ جلسة وكلّ ميدان عمل.

حبيبتي الدكتورة…

قبل أسبوع من رحيلكِ، حين أخبرتكِ باستشهاد صديقتنا الإعلامية سوزان خليل، قلتِ بصوتٍ هادئ واثق، بعد الترحّم عليها: “تستحقها، ويليق بها الشهادة.”

كأنّكِ كنتِ تعرفين أنّ الشهادة تنتظركِ، وأنّكِ أردتِها وتمنّيتِها. فنِلتِها يا حبيبتي، نِلتِها كاملةً غير منقوصة، وكما أردتِ.

نعم رحلتِ جسدًا…

لكنّكِ تركتِ أثرًا في الوعي والذاكرة لن يُمحى. تركتِ مواقف ووصايا لن تُنسى. تركتِ ماضيًا مشرّفًا وحاضرًا سنحمله معنا. لن أنسى تقديركِ لنفسكِ، ولوجودكِ، ولمسؤوليّتكِ تجاه الآخر.

هنيئًا لكِ يا دكتورة…

يا ربِّ، أنتَ تعلم كم أحببناها وكم أعطت وكم زرعت من نور في قلوبنا، فتقبّلها في رحابك الواسعة، وأسكنها في أعلى درجات جنّتك، واجعلها في صحبة من أحبّتهم وعاشت على دربهم، في ظلِّ الأئمة الأطهار والصدّيقين والشهداء الأبرار.

روحي تهمس إليكِ يا حبيبتي: لقد نِلتِ ما تمنّيتِ، وبلغتِ ما أردتِ، فاطمئنّي فنحن بخير، وإن كان القلب يكذب حين يقول ذلك.

إنّا لله وإنّا إليه راجعون.

المجدُ لروحكِ الطاهرة، والخلود لذكراكِ التي لن تغيب…

من زميلتكِ التي تعلّمت منكِ ما يكفيها العمر كلّه…

الدكتورة فاطمة عز الدين

Leave A Reply