السادس من حزيران عام 1982.. يبقى الوجع نفسه

في السادس من حزيران عام 1982، لم يكن لبنان على موعد مع اجتياح عسكري فحسب، بل مع واحدة من أكثر المحطات قسوة في تاريخه الحديث. يومها زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، وضاعت الرؤية أمام كثيرين وهم يشاهدون الدبابات الإسرائيلية تتقدم في عمق الجنوب، والطائرات تملأ السماء ناراً وموتاً. ظن البعض أن لبنان يقف على أعتاب عصر إسرائيلي جديد، وأن الجنوب الذي كان دائماً بوابة الوطن إلى الكرامة سيُترك وحيداً في مواجهة مصيره، وأن زمن الهزائم والانكسارات قد أصبح قدراً لا مفر منه.

لكن في تلك الأيام العصيبة، خرج أبناء مدرسة الإمام موسى الصدر من قلب المعاناة ليقولوا كلمة مختلفة. لم ينظروا إلى حجم القوة العسكرية التي تواجههم، بل إلى حق الأرض وأمانة الدفاع عنها. وقالوا إن القضية ليست فقط تحرير أرض محتلة، بل صناعة تاريخ جديد، تاريخ يكون عنوانه المقاومة والكرامة والتمسك بالحق مهما بلغت التضحيات.

ومن بين الركام والدماء والقرى التي أُحرقت، وُلدت مرحلة جديدة في تاريخ لبنان. مرحلة أثبتت أن إرادة الشعوب أقوى من الاحتلال، وأن الأرض التي تُروى بدماء أبنائها لا يمكن أن تتحول إلى غنيمة للغزاة. فتحول ما أراده الاحتلال بداية لعصر الهيمنة والسيطرة إلى بداية لعصر المقاومة والصمود.

ولعل من أكثر المحطات دلالة على هذا التحول، ذلك المشهد التاريخي الذي شهدته مدينة صور في أول احتفال جماهيري حاشد لإحياء ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر بعد الاجتياح الإسرائيلي. كانت قوات الاحتلال ما تزال تجثم على أجزاء واسعة من الأرض اللبنانية، وكان كثيرون يعتقدون أن الخوف قد نجح في إسكات الأصوات. لكن صور، المدينة التي احتضنت الإمام الصدر ومنبر المحرومين، رفضت أن تنحني. احتشدت الجماهير في الساحات، وارتفعت صور الإمام الغائب الحاضر في وجدان الناس، وتحولت المناسبة من إحياء للذكرى إلى موقف وطني جامع أعلن رفض الاحتلال ورفض التسليم بالأمر الواقع. يومها دوّى الصوت من قلب صور عالياً بأن الجنوب لن يكون أرضاً مستباحة، وأن نهج الإمام الصدر سيبقى نهج الدفاع عن الإنسان والأرض والكرامة. وكان ذلك الاحتفال بمثابة الإعلان الشعبي الأول لرفض الاحتلال، وبداية مرحلة جديدة من المواجهة والصمود والإيمان بأن الاحتلال إلى زوال مهما طال الزمن.

واليوم، وبعد أربعة وأربعين عاماً على ذلك الاجتياح، يقف لبنان مرة أخرى في قلب حرب جديدة. تتغير الأزمنة وتتبدل الوقائع، لكن الوجع يبقى هو نفسه. جنوب يئن تحت القصف، وقرى تنزف من جديد، وعائلات تحمل حقائب النزوح، وأطفال يكبرون على أصوات الطائرات وصفارات الإنذار. وكأن هذا الوطن كُتب عليه أن يختبر في كل مرحلة معنى الصمود من جديد.

ومع ذلك، فإن الجنوب الذي واجه اجتياح عام 1982 لا يزال هو نفسه الجنوب الذي يقف اليوم على خطوط المواجهة. الجنوب الذي قال عنه الإمام موسى الصدر: “لن نقبل أن يبتسم لبنان وجنوبه متألم”. الجنوب الذي حمل راية الحرمان فحوّلها إلى راية كرامة، وحمل دماء شهدائه لتصبح جسراً نحو الحرية.

من صور، مدينة التاريخ والشهداء، إلى بنت جبيل حاضرة جبل عامل، إلى النبطية ومرجعيون والخيام وكل قرية كتبت اسمها بدم أبنائها، تمتد حكاية شعب لم ينحنِ رغم الحروب والمجازر والاحتلال والتهجير. شعب آمن بأن الأوطان لا تُبنى بالقوة وحدها، بل بالإرادة والصبر والتشبث بالأرض.

وفي خضم هذه المرحلة الصعبة، تعود الأسئلة ذاتها التي طُرحت قبل أربعة وأربعين عاماً. أسئلة السيادة والكرامة الوطنية وحق اللبنانيين في أرضهم وأمنهم ومستقبلهم. ومن هنا يكتسب الموقف الأخير للرئيس نبيه بري أهمية خاصة، حين رفض أي اتفاق ينتقص من الحقوق الوطنية أو يمنح الاحتلال ما عجز عن تحقيقه بالحرب، مؤكداً أن المدخل الطبيعي لأي حل يجب أن يكون وقفاً كاملاً وغير مشروط لإطلاق النار براً وبحراً وجواً، بعيداً عن الشروط والإملاءات التي تستهدف لبنان وسيادته.

وإذا كان أبناء الإمام الصدر قد وقفوا في عام 1982 في وجه مشروع الاحتلال وأعلنوا من مدينة صور موقفهم الرافض للاستسلام، فإن الموقف الوطني اليوم يستعيد جوهر تلك الرسالة نفسها: لا سلام حقيقياً على حساب الكرامة، ولا استقرار دائماً على حساب السيادة، ولا يمكن لأي شعب أن يتخلى عن حقه مهما اشتدت الضغوط وتعددت التحديات.

في ذكرى السادس من حزيران، لا يستعيد اللبنانيون مجرد حدث عسكري عابر، بل يستعيدون لحظة مفصلية من تاريخهم الوطني. لحظة ظن فيها كثيرون أن لبنان انتهى، فإذا به يبدأ فصلاً جديداً من الصمود. ويستعيدون أيضاً صورة الجماهير التي احتشدت في صور تحت الاحتلال لتقول إن الإمام موسى الصدر لم يكن مجرد رجل غاب، بل مشروع وطن يرفض الذل، ورسالة مقاومة صنعت أملاً في زمن اليأس.

واليوم، فيما تثقل الحرب القلوب وتنهك البلاد، يبقى الدرس ذاته حاضراً: قد تُهدم البيوت، وقد تتشرد العائلات، وقد يطول زمن الألم، لكن الشعوب التي تؤمن بحقها لا تموت، والأوطان التي تحفظ ذاكرة شهدائها وتضحيات أبنائها قادرة دائماً على النهوض من تحت الركام وصناعة مستقبلها مهما اشتدت العواصف. ويبقى الجنوب، كما أراده الإمام موسى الصدر، أرض الكرامة التي لا تنحني، وذاكرة الوطن الحية التي تكتب تاريخها بالثبات والصبر والإيمان بأن الحق لا يموت.

صور في :6 حزيران 2026

صدر داوود

Leave A Reply