قراءة في بيان الخارجية الأمريكية بشأن المفاوضات بين لبنان والكيان الإسرائيلي.
أبرز ما ورد في البيان المشترك:
– وقف النار من جهة الحزب فقط.
– إنشاء مناطق تجريبية.
– فصل مسار لبنان عن مسار باكستان.
ما لم يرد في البيان:
– وقف النار من جهة العدو.
– جدول زمني لانسحاب العدو.
– عودة النازحين الى بيوتهم وقراهم.
بين ما ورد وما لم يرد: أسئلة لبنانية مشروعة حول أي تسوية مرتقبة
في السّياسة، لا تُقرأ البيانات بما تتضمّنه فقط، بل بما تغفله أيضًا. فكثيرًا ما تكون المساحات البيضاء بين السطور أكثر دلالة من الكلمات المكتوبة نفسها. ومن هذا المنطلق، تثير المعطيات المتداولة حول المباحثات الجارية جملة من الأسئلة الوطنيّة والسيادية التي لا يمكن تجاهلها.
فإذا صحّ أنّ النّقاش يدور حول وقف إطلاق النّار من جهة واحدة، أو حول ترتيبات أمنية ومناطق تجريبيّة، فإنّ السّؤال الأوّل الذي يفرض نفسه هو: ماذا عن الطّرف الآخر؟ وهل يمكن الحديث عن استقرار حقيقي في ظل غياب التزام متبادل وواضح بوقف الأعمال العدائيّة؟
إنّ أي مقاربة تضع عبء التّهدئة على جهة واحدة فقط، من دون معالجة أسباب التّوتر ومصادر التّهديد كافّة، تبدو مقاربة ناقصة يصعب أن تؤسّس لأمن مستدام أو لاستقرار طويل الأمد. فالسّيادة لا تُجزّأ، والأمن لا يتحقّق من خلال التزامات أحاديّة الجّانب، بل عبر قواعد متوازنة تضمن حقوق جميع الأطراف وتحفظ الاستقرار على جانبيّ الحدود.
والّلافت أكثر أنّ النّقاش المتداول لا يتضمّن، وفق ما يُشاع، جدولًا زمنيًّا واضحًا للانسحاب من الأراضي المحتلة أو وقف الانتهاكات العسكريّة المتكرّرة. وهنا يبرز تساؤل جوهري: كيف يمكن للبنانيين أن يقتنعوا بجدوى أي اتّفاق إذا لم يترافق مع ضمانات واضحة تعيد الاعتبار للسّيادة الوطنيّة وتضع حدًّا للاعتداءات المستمرّة؟
أما البعد الإنساني، وهو الأكثر إلحاحًا، فيكاد يكون غائبًا عن المشهد. آلاف العائلات التي نزحت عن قراها وبلداتها لا تنتظر بيانات سياسيّة بقدر ما تنتظر العودة الآمنة إلى منازلها. فنجاح أي تسوية لا يُقاس فقط ببنودها الأمنيّة، بل بقدرتها على إعادة النّاس إلى حياتهم الطّبيعية واستعادة شعورهم بالأمان والاستقرار.
وفي نهاية المطاف، فإنّ أيّ تفاهم أو تسوية لن تُكتب لها الاستدامة إذا شعر جزء كبير من اللبنانيين أنّها تعالج النّتائج وتتجاهل الأسباب، أو أنّها تطلب التزامات من طرف واحد بينما تترك الأسئلة الكبرى بلا أجوبة واضحة.
لهذا تبقى القضيّة الأساسيّة: ليس فقط ما الذي كُتب في البيانات، بل ما الذي لم يُكتب بعد، وما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد معالجة حقيقيّة للملفات المرتبطة بالسّيادة والاحتلال وعودة النّازحين وضمان الأمن لجميع اللبنانيين.
إن لبنان الذي دفع أثمانًا باهظة من دماء أبنائه واقتصاده واستقراره الاجتماعي، يحتاج إلى مقاربة شاملة تعالج جذور الأزمة لا مظاهرها فقط. مقاربة توازن بين الأمن والسيادة، وبين مقتضيات الاستقرار وحقوق المواطنين، وبين الاعتبارات الإقليميّة والمصلحة الوطنية اللبنانية.
الخميس في 4/6/3026
الدكتور: عبّاس حيدر

