حسين وهبه فران … متنبّي جبل عامل – كتب حيدر احمد حيدر

رحلَ حارسُ القريضِ الأشمّ، طودُ الكلمةِ الحرّة والبيانِ الفخم، ترجّل صهوةَ القصيدةِ بعدَ أن حافظَ لعقودٍ على نصاعةِ الحرفِ وقوّةِ الصّياغةِ وسباكةِ المعنى، ورسمَ خارطةً ثقافيّةً لمعشوقتِه الأزليّةِ الأبديّةِ … صور …

منذُ نعومةِ أظافره، أخذَ من بحرِ صور مِدادَ يراعه، وامتشقَ سيفَ الأدبِ يحاربُ تنينَ الجهلِ والأميّة، فكان من أوائلِ رُسُلِ العلم في المدينةِ الّتي أحبّها، علّمَ الأجيالَ فنّ البقاءِ والتّقدّم، وزرعَ في بوَار العقولِ بذارَ العملِ والحضارة، وتتلمذت على يديه أجيال صنعت غد لبنان.

أبى أن يكتبَ “حداثةً” لا تليق بلغةِ السّماء، فكانت “حداثته” من نوعٍ فريدٍ يحمل فخامة المنبى والمعنى، وأسس للقريضِ “الأعمدة” الّتي تحملُ وتتحمّلُ شواهقَ الكَلِمِ الفخم، ولأنّ “الصّمتَ ربّانٌ آخرَ”، كان صمتُه الايحاء والعمق، فأسرجَ “جيادَ البحر” وبلغَ به حدودَ الأزلِ وقرّبَ طرفَ الأبد، فكان كما وصفَه كثيرونَ، “أبا تمّام” صور و “متنبّي” جبل عامل. صنع سرديّته الفريدة، المنبيّة على “الإنسان”، فما كان يومًا طائفيًّا سوى لطائفةِ الشِّعر، أو مذهبيًّا سوى لمذهب الكلمة …

ليس بغريبٍ عليه أن يتصدّر قائمةَ الشّعراء والأدباء، وهو ابن البيت الّذي ربّى أجيالًا على الحبّ والعلم والمعرفة، وهو ابن المربّي الفذّ والعلم العلّامة المرحوم وهبه فرّان، وليس بغريب عليه أن يكون واحدًا من مؤسسي الحركة الثّقافيّة في لبنان والجنوب، وأحد ركائز منتديات الشّعر والأدب والثّقافة والمعرفة، وهو الّذي اختزن في عقله وقلبه موسوعات العلم والمعرفة، وفي مسير حياته الدّفاع عن القوميّة والعروبة والحقّ.

برحيل المربّي الشّاعر الأديب الأستاذ حسين وهبه فران، تفقد صور أحد عشّاقها المولهين بها، ويفتقد الجنوب أحد أعمدة الأدب فيه، ويفتقد جبل عامل إحدى رواسيه المتينة، ويفتقد لبنان علمًا من أعلامه الأفذاذ، وتفتقد المسيرة الثّقافيّة والأدبيّة والشّعريّة واحدًا من روّادها الأوائل في القرن العشرين.

شهادتي به مجروحة فوق الجرح، وهو “الخال” الّذي سأبقى أحلمُ أن أصلَ لأصغر جزء منه … لعلّ وعسى …

بأمان الله يا أبا مروان … يا جواهريّ صور … وأبا تمام الجنوب … ومتنبّي جبل عامل …

Leave A Reply