اللقاء الروحي في مدينة صور: التأكيد على السلم الأهلي في ظلّ الاعتداءات، ودعم صمود المواطنين في مواجهة التحديات، وصون الوحدة الوطنية وترسيخ ثقافة العيش الواحد.
في ظلّ الظروف الدقيقة والقاسية التي يمرّ بها الجنوب ولبنان، عقد اللقاء الروحي الإسلامي المسيحي في مدينة صور اجتماعه الدوري في دار الإفتاء الجعفري في صور، بحضور متروبوليت صور وصيدا وتوابعهما للروم الأورثوذوكس سيادة المطران إلياس كفوري، سماحة مفتي صور وجبل عامل القاضي الشيخ حسن عبدالله، سماحة مفتي صور ومنطقتها الدكتور الشيخ مدرار الحبال، متروبوليت صور وتوابعها للروم الكاثوليك المطران جورج إسكندر، أمين سر اللقاء فضيلة الشيخ ربيع قبيسي، والأب نقولا باصيل وفضيلة الشيخ عدنان الداوود.
وقد تغيب قسراً عن الحضور مطران صور للموارنة سيادة المطران شربل عبدالله حيث كان في جولة رعوية إلى أهالي قرى الجنوب الصامدة في رميش ودبل وعين إبل ولم يقدر على إستكمال الطريق نتيجة الأوضاع الأمنية، وجرى الإتصال به خلال اللقاء للإطمئنان عليه ومن معه ووجه المجتمعون التحية له ولدورة رغم الظروف الصعبة.
رفع المجتمعون الصلاة والدعاء إلى الله تعالى من أجل حماية لبنان، وصون جنوبه وأهله، ووقف دوّامة الاعتداءات والدمار، وتجنيب المدنيين، والطواقم الطبية والإسعافية والإعلامية، والجيش اللبناني، وقوات “اليونيفيل”، كلّ استهدافٍ أو خطر.
واستهلّ المجتمعون لقاءهم بالوقوف أمام وجع الناس ومعاناة العائلات التي فقدت أبناءها، أو تهجّرت من بيوتها، أو تضرّرت أرزاقها ومقدّساتها، متقدّمين بأحرّ التعازي من عائلات الشهداء في مختلف المناطق اللبنانية، ومتمنّين الشفاء العاجل للجرحى، ومستنكرين الاعتداءات التي طالت دور العبادة والمقدّسات الدينية، من كنائس ومساجد وحسينيات، بما يمثّل اعتداءً على كرامة الإنسان وحقّه في الحياة والإيمان والأمان.
وأكد المجتمعون أنّ الجنوب ليس مجرّد مساحةٍ جغرافيةٍ على حدود الوطن، بل هو أرضُ ناسٍ وبيوتٍ وذاكرةٍ وكرامةٍ وعيشٍ مشترك. فما يصيب الجنوب يصيب لبنان كلّه، وما يهدّد إنسانه يهدّد الصيغة اللبنانية القائمة على التعدّد، والتلاقي، واحترام كرامة كلّ إنسان.
وبعد التداول في الأوضاع العامة، ولا سيما الشأنين الاجتماعي والاقتصادي، ومعاناة النازحين اللبنانيين، شدّد المجتمعون على المواقف والتوصيات الآتية:
أولاً: أدان المجتمعون العدوان الإسرائيلي المستمرّ على جنوب لبنان، وما يخلّفه من دمارٍ وتهجيرٍ واستهدافٍ للإنسان والأرض والمقدّسات، ودعوة المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته الأخلاقية والقانونية، والعمل الجاد على وقف الاعتداءات، وحماية المدنيين، ومنع توسّع دائرة الحرب.
ثانياً: الدعوة إلى تثبيت وقف إطلاق النار وتطبيقه بشكلٍ دائمٍ وفعليّ، بما يضع حدًّا لمسلسل الاعتداءات والتهديدات، ويمنع تجدّد الأعمال الحربية، ويفتح الطريق أمام عودة الأهالي إلى قراهم وبيوتهم بأمانٍ وكرامة.
ثالثاً: يؤكد المجتمعون أنّ وقف إطلاق النار لا يجوز أن يبقى هدنةً هشّةً أو ظرفًا مؤقتًا، بل يجب أن يتحوّل التزامًا واضحًا تحميه الدولة اللبنانية، وترعاه المرجعيات الدولية المعنية، بما يصون حياة المدنيين، ويحفظ الاستقرار، ويمنع انزلاق البلاد إلى مزيدٍ من الدمار والمعاناة.
رابعاً: أكد المجتمعون على أهمية تطبيق القرار 1701 تطبيقًا كاملًا ومتوازنًا، وتفعيل آلية المراقبة المعتمدة بما يضمن حماية لبنان، ووقف الاعتداءات، والانسحاب من المناطق المحتلة، وعودة الأهالي إلى قراهم بأمانٍ وكرامة، ومنع أيّ اعتداءاتٍ مستقبلية. كما يثمّن المجتمعون دور قوات حفظ السلام الدولية، وتعاونها مع الجيش اللبناني، في إطار احترام السيادة اللبنانية وحماية الاستقرار.
خامساً: توجه المجتمعون تحية تقديرٍ وإكبارٍ إلى أبناء الجنوب الصامدين في قراهم وبيوتهم، وإلى العائلات التي اضطرت إلى النزوح قسرًا حفاظًا على حياتها، مع مطالبة الدولة اللبنانية بتحمّل مسؤولياتها كاملةً تجاههم، وتأمين الدعم الإنساني والاجتماعي والصحي والتربوي اللازم لهم، بعيدًا عن أيّ تمييزٍ أو إهمال.
سادساً: دعا المجتمعون إلى وضع خطةٍ وطنيةٍ متكاملة للعمل على إطلاق سراح الأسرى اللبنانيين وإعادتهم إلى ذويهم، وتسهيل عودة النازحين، وإعادة إعمار ما دمّرته الحرب، على أن تكون هذه الخطة عادلةً وشفّافةً وسريعة، وأن تراعي كرامة المتضرّرين وحقّهم في العودة إلى أرضهم ومنازلهم وحياتهم الطبيعية.
سابعاً: توجه المجتمعون بالشكر إلى المناطق والعائلات اللبنانية التي استضافت النازحين، والتي أثبتت، مرةً جديدة، أنّ اللبنانيين، رغم جراحهم وانقساماتهم، قادرون على أن يفتحوا بيوتهم وقلوبهم بعضهم لبعض. وقد أظهر هذا التضامن أنّ العيش الواحد ليس شعارًا ظرفيًّا، بل قيمةً راسخةً في ضمير لبنان.
ثامناً: أكد المجتمعون أنّ التنوّع السياسي في لبنان يمكن أن يكون عنصرًا من عناصر الغنى الوطني والديمقراطي، شرط أن يبقى ضمن إطار الاحترام المتبادل والثوابت الوطنية. ومن هنا يدعو المجتمعون إلى النأي بالعلاقات بين المواطنين عن منطق الخلافات السياسية، وحمايتها من التحريض والتخوين والانقسام، ورفض كلّ خطابٍ يهدّد الاستقرار الداخلي أو يسيء إلى الرموز الدينية والروحية.
تاسعاً: أكد المجتمعون ضرورة تعزيز دور الدولة ومؤسساتها الشرعية في حفظ الأمن والاستقرار، وحماية المواطنين، وبسط سلطة القانون، وجمع اللبنانيين حول المصلحة العامة التي يجب أن تبقى فوق كلّ اعتبارٍ آخر. ويرى المجتمعون أنّ التقارب بين اللبنانيين لا يتحقّق بالقطيعة أو الاتهام، بل بالحوار الهادئ، والنقاش المسؤول، والإصغاء المتبادل، والسعي الصادق إلى حلولٍ تحفظ الوطن والإنسان.
عاشراً: أكد المجتمعون دعوة وسائل الإعلام وروّاد مواقع التواصل الاجتماعي إلى تحمّل مسؤولياتهم الوطنية والأخلاقية في حماية السلم الأهلي، والابتعاد عن كلّ ما يثير الفتن أو يسيء إلى الرموز الدينية والمقدّسات أو يتعرّض للأفراد وكراماتهم. ويؤكد المجتمعون أنّ الكلمة، في زمن الخطر، إمّا أن تكون جسرًا للسلام أو نارًا للانقسام، وأنّ الأديان، في جوهرها، تدعو إلى الرحمة والعدل وصون الكرامة، لا إلى التحريض والكراهية.
وفي الختام، شدّد المجتمعون على أنّ اللقاء الروحي الإسلامي المسيحي في صور سيبقى مساحةً للصلاة والحوار والمسؤولية المشتركة، وصوتًا ضميريًّا ووطنيًّا يدعو إلى حماية الإنسان، وصون العيش الواحد، وتثبيت أبناء الجنوب في أرضهم، والعمل من أجل سلامٍ عادلٍ يحفظ لبنان، ويصون سيادته، ويحمي كرامة جميع أبنائه.
صور في: ٩/٥/٢٠٢٦

