رحلة الإنسان في عالم المعتقدات المعلّبة
ليست سوى سعيٍ دائم بين ما يُعطى له جاهزًا، وما يكتشفه بنفسه بشقّ الطّريق عبر الشّكّ والتّساؤل.
في بداياته، يولد الإنسان داخل شبكة من الأفكار الموروثة: عادات، تقاليد، مسلّمات دينيّة واجتماعيّة، تُقدَّم له بوصفها حقائق نهائيّة لا تقبل النقاش. هنا يبدأ الوعيّ في حالة “استقبال”، لا “اختيار”. لكنّ هذه الحالة، وإن بدت مريحة، تحمل في جوهرها نوعًا من السّكون الفكريّ الذي يُقيّد الحريّة.
مع أوّل احتكاك بالعالم، يتسلّل الشّكّ. وهنا تبرز لحظة التحوّل التي أشار إليها *”ديكارت”،* حين جعل من الشكّ منهجًا للوصول إلى اليقين. لم يكن الشكّ عنده هدمًا، بل تأسيسًا: أن تهدم ما هو معلّب لتبني ما هو أصيل. في هذا السّياق، يصبح السّؤال فعل تحرّر، لا تمرّدًا عبثيًّا.
لكنّ الشّكّ وحده لا يكفي. إذ يأتي *”كانط”* ليضع حدودًا للعقل، ويذكّرنا أن الإنسان لا يدرك الأشياء كما هي في ذاتها، بل كما تظهر له عبر أدواته الذهنيّة. وهنا تتعقّد الرحلة: فحتّى حين نظن أنّنا تحرّرنا من المعتقدات المعلّبة، قد نكون فقط استبدلناها بأطر ذهنيّة أخرى غير مرئيّة. الحريّة، عند كانط، ليست في رفض كل شيء، بل في استخدام العقل استخدامًا نقديًّا وأخلاقيًّا.
ثم يتقدّم المسار مع الفيلسوف *”هيغل”،* الذي يرى أن الوعيّ لا ينمو في العزلة، بل عبر صراعٍ جدليّ بين الفكرة ونقيضها. المعتقدات المعلّبة، في هذا الإطار، ليست عائقًا فقط، بل مرحلة ضروريّة في تطوّر الوعيّ. إذ من خلالها يبدأ الصّدام، ومن الصّدام يولد الفهم الأعمق. الحقيقة ليست مُعطَى جاهزًا، بل مسار تشكّل مستمر.
وهكذا، تتحوّل رحلة الإنسان من التّلقّي إلى النّقد، ومن النّقد إلى التّركيب. في البداية، يصدّق كل شيء، ثم يشكّ في كلّ شيء، ثم يتعلّم أن يوازن بين الاثنين. فليس المطلوب أن يعيش بلا معتقدات، بل أن يمتلك القدرة على مساءلتها.
في عالم اليوم، حيث تُصنّع الأفكار كما تُصنّع السّلع، تصبح هذه الرّحلة أكثر إلحاحًا. فالمعتقدات لم تعد تُورَّث فقط، بل تُسوَّق أيضًا. وهنا تكمن خطورة “المعلّب”: أنّه يبدو سهلًا، جاهزًا، ومريحًا… لكنّه غالبًا ما يُعفي الإنسان من عناء التّفكير.
في النّهاية، الحريّة الفكريّة ليست أن ترفض كلّ ما يُقدَّم لك، بل أن تختار ما تؤمن به بعد وعيّ. أن تعبر من الضّجيج إلى الفهم، ومن التّقليد إلى الإدراك. إنّها رحلة لا تنتهي، لأنّ الإنسان، في جوهره، كائن يبحث… لا كائن يكتفي.
*د. عبّاس حيدر*

