الإعلامية جمانة كرم عياد
الدكتورة مها ابو خليل امرأة من نورٍ وموقف، ولم تكن مجرد خبرٍ عاجل في سطور.
غيابٌها يشبه غياب الوطن، لكنها حضورٌ دائم لا يغيب.
في لحظةٍ كان يُفترض أن تُطفأ فيها نيران الحرب، سُجّلت واحدة من أقسى المفارقات، إذ ارتقت الدكتورة مهى أبو خليل شهيدةً، قبل دقيقتين فقط من وقف إطلاق، نتيجة للقصف البربري الصهيوني على مدينة صور، لتكون دماؤها الخاتمة التي تفضح إجرام العدو وقسوة الزمان، ولتُتوج باستشهادها مسيرةً لم تعرف إلا البذل.
ننعى اليوم أختًا كبيرة، وأمًا حنونة، وصديقةً وفية، وامرأةً نذرت حياتها للناس حتى آخر نبضة. لم تكن الدكتورة مها مجرد ناشطة أو اسمٍ في مؤسسة، بل كانت روحًا تسكن في تفاصيل العطاء، ووجهًا مألوفًا في كل مكانٍ يحتاج إلى يدٍ تمتد أو كلمةٍ تُقال في وجه الظلم.
في مؤسسة الإمام الصدر، كانت من أوائل الذين حملوا الفكرة مسؤوليةً لا شعارًا، وسارت بها طريقًا طويلًا من الالتزام والعمل الصامت. آمنت بأن الإنسان هو القضية، وأن الكرامة لا تُجزّأ، فاختارت أن تكون في الصفوف الأولى حيث التعب أكثر، ولكن المعنى أعمق.
لم تعرف المساومة، ولم تساكن الخوف. كانت تقول ما تؤمن به، وتمضي إليه، بثباتٍ يشبه الأرض التي انتمت إليها. كان الجنوب بكل وجعه وكبريائه يسكن في صوتها، وكانت صور تراها ابنةً لها كما كانت هي ابنةً وفيةً لها.
رحلت الدكتورة مها لكن أيّ رحيلٍ هذا الذي يترك خلفه هذا الامتداد من الأثر؟
هي لم تغب، بل توزّعت في ذاكرة كل من عرفها، وفي وجدان كل من لامس عطاءها، وفي كل فكرةٍ زرعتها ومضت.
نامي قريرة العين يا سيدتي،
فما خذلتِ يومًا قضية، ولا تخلّيتِ عن إنسان، ولا تأخرتِ عن واجب.
وإن كان الوطن يُشترى بالدم كما آمنتِ، فقد دفعتِ من قلبك الثمن كاملًا. وبقي لنا أن نحفظ الوصية.
إنا لله وإنا إليه راجعون….
