كيف دفعت حرب 2026 سوق العمل اللبناني إلى حافة الاختلال؟

البروفيسور حسن الموسوي

أستاذ جامعي وخبير في الشؤون المالية والاقتصادية

ليست الحروب، في معناها الأعمق، ما تهدمه فقط، بل ما تُعيد تشكيله بصمت من الداخل. فهي لا تكتفي بإسقاط جدار هنا أو طريق هناك، بل تمضي أبعد من ذلك إلى طريقة عيش الناس، وإلى معنى العمل، وإلى حدود التحمّل الاقتصادي في مجتمع هش أصلاً. وهذا بعض ما يواجهه لبنان اليوم تحت ضغط الحرب الإسرائيلية في آذار 2026، وما رافقها من نزوح داخلي واسع من الجنوب والضاحية الجنوبية ومناطق متضرّرة أخرى نحو مناطق مضيفة في بيروت وجبل لبنان والشمال والبقاع. فالمسألة لم تعُد تقف عند حدود الإيواء والإغاثة والخدمات الأساسية، بل امتدّت إلى النقطة الأكثر حساسية في الحياة اليومية: العمل نفسه.

هناك، في الأجر اليومي، وفي قدرة المؤسسات على الاستمرار، وفي هشاشة الأسواق المحلية، تتحوَّل الأزمة من عبء إنساني ظاهر إلى اختلال اقتصادي أعمق، وتبدأ السوق، ببطء قاسٍ لكن بوضوح متزايد، في الانزلاق من منطق الإنتاج إلى منطق البقاء.

في أسابيع قليلة فقط، اتسعت الحاجة الإنسانية على نحو حاد. ففي 13 آذار 2026، أطلقت الأمم المتحدة نداءً طارئاً بقيمة 308,3 ملايين دولار لتلبية احتياجات ما يصل إلى مليون شخص خلال الفترة من آذار إلى أيار. وبحلول 26 آذار، كان عدد النازحين قد تجاوز المليون، بينهم أكثر من 136 ألفاً في 663 مركز إيواء جماعياً. لكنّ دلالة هذه الأرقام لا تقف عند بُعدها الإنساني؛ فهي تعني اقتصادياً انتقال ضغط سكاني وخدمي ومعيشي كثيف إلى مناطق محدودة القدرة أصلاً على الاستيعاب، في وقت لم يكن الاقتصاد اللبناني قد استعاد بعد شروط التعافي البُنيَوي. ومن هذه النقطة بالذات يبدأ اختلال سوق العمل: لا من العدد المجرّد وحده، بل من العبء الذي يُلقى على بيئة هشّة أصلاً.

غير أنّ هذا الاختلال لا يجوز تفسيره بفرضية مبسطة مفادها أنّ النازحين تدفّقوا مباشرة إلى سوق العمل وخلقوا منافسة فورية على الوظائف. فمثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى مسوح ميدانية لا تتوافر بعد. والأثر الأرجح يبدأ من الضغط على البيئة الحاضنة للعمل نفسها: على السكن والخدمات، وعلى الأسر المضيفة، وعلى المؤسسات الصغيرة، وعلى اقتصاد محلي يُطلب منه فجأة أن يستوعب ما يفوق طاقته.

وما يزيد المشهد تعقيداً، أنّ الحرب لم تدفع الناس إلى مغادرة مناطقهم فقط، بل أصابت أيضاً مصادر العمل عينها: أراضٍ زراعية تعطلت، ومؤسسات صناعية ضعفت، ومحال وورش أُقفلت أو تهدّمت. وعندما تُضرب بيئات العمل ومصادر الرزق بهذا الشكل، لا يعود الخلل ناتجاً فقط من انتقال الناس، بل من انكماش القدرة المحلية على توليد العمل من الأصل. هنا لا تكون المسألة زيادة ضغط على السوق فحسب، بل تآكلاً في القاعدة التي كانت تُنتِج الدخل والعمل قبل الحرب. والخطر عند هذه النقطة لا يعود في تقلّص الفرص فقط، بل في تقلّص القدرة نفسها على توليدها.

وحتى الآن، تتوافر عن حرب آذار 2026 أرقام مباشرة عن حجم النزوح والضغط الإنساني أكثر ممّا تتوافر عن سوق العمل نفسه. لذلك، ينبغي التعامل مع أي حديث عن البطالة والأجور والتشغيل غير النظامي بمنهجية حذرة، لأنّ ما يتوافر حتى الآن هو مؤشرات على بُنية الصدمة أكثر ممّا هو قياس ميداني مكتمل. فنحن لا ندّعي هنا قياساً ميدانياً مكتملاً، بل نقرأ الصدمة الجارية في ضوء بُنيتها الاقتصادية وما تكشفه تجارب مماثلة. ومن هنا تكتسب البيانات المرجعية من الحرب الإسرائيلية على لبنان خلال 2024 أهمّية تفسيرية؛ إذ أظهرت تقييمات منظمة العمل الدولية آنذاك أنّ 19,9% من العمال أصبحوا عاطلين خلال الحرب، وارتفعت النسبة إلى 36% في المناطق المتأثرة مباشرة، فيما انخفض متوسط الدخل الشهري 15,2%. وهذه الأرقام لا تصف حرب آذار 2026 مباشرة، لكنّها تكشف كيف تميل الصدمات المماثلة في لبنان إلى الضغط على الدخل ونوعية العمل واستقرار التشغيل، لا على عدد الوظائف فقط.

المسألة الأخطر هنا ليست فقط فقدان الوظيفة، بل تآكل معنى العمل نفسه. فعندما يتراجع الدخل النقدي في اقتصاد يعاني أصلاً ضغطاً مزمناً على القوّة الشرائية، لا تُقاس الخسارة فقط بما نقص من الأجر، بل بما فقده هذا الأجر من قدرة فعلية على تأمين الحدّ الأدنى من العيش. وعند هذا الحدّ، لا تعود السوق فضاءً للإنتاج والاستقرار، بل ساحةً لإدارة الضرورة والنجاة اليومية.

ومن هنا، لا يكفي توسيع الإغاثة ما لم تُصمَّم التدخّلات بطريقة تحمي وظائف السوق المحلي نفسها من مزيد من التآكل. فبرامج التشغيل الطارئ تكون أكثر جدوى حين يكون الانكماش سريعاً والبُنية الخدماتية تحت ضغط حاد، لأنّها تضخ دخلاً سريعاً وتولّد في الوقت عينه منفعة عامة محلية. لكن هذه البرامج ليست كافية وحدها، لأنّ المؤسسة الصغيرة في لبنان تمثل خط الدفاع الأخير عن السوق: فهي الأكثر التصاقاً بالتشغيل المحلي، والدخل اليومي، والخدمة الأساسية في الأحياء والبلدات.وعندما تختنق هذه الحلقة، لا تكون النتيجة مجرّد تراجع أرباح، بل تبدأ سلسلة أوسع من التداعيات: خفض ساعات العمل، تقليص العمالة، تأخير الأجور أو خفضها، ثم الإقفال الجزئي أو النهائي.

لذلك، فإنّ ما يحتاجه لبنان اليوم ليس تمويلاً إضافياً فقط، على رغم من الحاجة الماسّة إليه، بل تصحيحاً في زاوية النظر. فالحرب لا تضغط على سوق العمل فقط لأنّها تدفع الناس إلى النزوح، بل لأنّها تضرب أيضاً الشروط التي يقوم عليها العمل نفسه. والاستجابة المطلوبة يجب أن تبدأ بحماية الدخل قبل انهياره، وحماية المؤسسات الصغيرة قبل أن يتحوَّل إقفالها إلى خسارة دائمة، وبإجراء تقييمات سريعة ودورية لسوق العمل، وبمنع البيئة المحلية نفسها من الانزلاق إلى الاختناق. لأنّ المجتمعات لا تصمد بالمساعدات وحدها، بل بما يُبقي فيها عملاً منتجاً، وأجراً ممكناً، ونشاطاً محلياً لا ينطفئ. وحين يضعف العمل، لا تتعثر السوق وحدها، بل يبدأ المجتمع نفسه بفقدان قدرته على الصمود.

Leave A Reply