من انهيار القانون الدولي إلى رهانات الداخل: د. محمد عاصي على OTV يرسم معادلة الصراع المفتوح
في لحظة دولية شديدة التعقيد، حيث تتقاطع الحروب مع التحولات الكبرى في بنية النظام العالمي، اعتبر الدكتور محمد عاصي أن ما يجري اليوم لم يعد مجرد نزاع إقليمي، بل هو اختبار حاسم لمصير القانون الدولي نفسه. فبحسب مقاربته، تقف البشرية أمام سؤال جوهري: هل ما زال العالم محكوماً بمنظومة قانونية نشأت منذ معاهدة وستفاليا، أم أننا دخلنا فعلياً عصر القوة الغاشمة حيث تسقط القواعد أمام موازين القوة؟
ينطلق عاصي من اتهام واضح للولايات المتحدة وإسرائيل بارتكاب جرائم حرب، مستنداً إلى قواعد القانون الدولي العام، والقانون الدولي الإنساني، واتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية، إضافة إلى نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية. ويرى أن استهداف المدنيين والبنى التحتية، والحصار، واستخدام القوة غير المتناسب، كلها تشكل انتهاكات جسيمة ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، في ظل عجز دولي فاضح عن المحاسبة.
ويذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن ما يقوم به دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو هو “انقلاب” على التراكم التاريخي للقانون الدولي، واضعاً هذا المسار في سياق تاريخي أوسع، حيث سبق لقوى كبرى – من نابليون إلى جنكيز خان – أن أطاحت بفترات من الاستقرار العالمي وأعادت فرض منطق القوة.
في المقابل، يشدد عاصي على أن المقاومة ليست خياراً سياسياً ظرفياً، بل حق قانوني ثابت كفلته شرعة الأمم المتحدة ضمن مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير، وكرسته قرارات الجمعية العامة، لا سيما تلك التي شرّعت الكفاح المسلح ضد الاستعمار. وبما أن لبنان طرف في هذه المنظومة القانونية، فإن شرعية المقاومة – وفق طرحه – قائمة بذاتها، بمعزل عن أي نقاش داخلي سياسي أو حكومي.
وعند الانتقال إلى الداخل اللبناني، يطرح عاصي إشكالية دستورية وقانونية حول مسار التفاوض مع إسرائيل. فبينما تنص المادة 52 من الدستور على صلاحيات رئيس الجمهورية في التفاوض وفق آلية محددة مع مجلس الوزراء، يبقى قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955 نافذاً، ويجرّم أي شكل من أشكال التواصل مع العدو. وبالتالي، يرى أن أي تفاوض قائم حالياً يفتقر إلى المشروعية القانونية ما لم يُعدّل هذا القانون، ما يشكل تجاوزاً للسلطة. أما سياسياً، فيعتبر أن التوقيت غير مناسب في ظل انعدام الضمانات والانحياز الأميركي الواضح.
وفي هذا السياق، يبرز عاصي دور رئيس مجلس النواب نبيه بري كـ”صمام أمان” للاستقرار الداخلي، مستذكراً دوره في إسقاط اتفاق 17 أيار وإعادة تثبيت الهوية العربية للبنان، ومؤكداً أنه يشكل نقطة إجماع وضمانة للسلم الأهلي في مرحلة شديدة الحساسية.
ويحذر من الرهان على إسرائيل، معتبراً أنه “لا يمكن الوثوق بها ولا الاطمئنان إلى أي التزام صادر عنها”، مشدداً على أن مسألة السلاح تبقى شأناً سيادياً داخلياً لا يحق لأي طرف خارجي التدخل فيه.
أما في ما يتعلق بمآلات التصعيد، فيرى عاصي أن أي وقف لإطلاق النار أو تهدئة لن يكون نتيجة مفاوضات بقدر ما سيكون ثمرة نتائج الميدان. ويضع المواجهة مع إيران في إطار أوسع، واصفاً إياها بأنها “معركة الرفض الأخيرة” التي ستحدد شكل النظام الدولي لعقود مقبلة. فإذا نجحت إيران في فرض معادلة ردع، سيعاد التوازن إلى العلاقات الدولية، أما إذا فشلت، فإن العالم سيدخل مرحلة خطيرة من سباق التسلح وانفلات القوة.
ويختم بالتنبيه إلى أن إسرائيل تسعى لنقل المعركة إلى الداخل اللبناني، ما يفرض أولوية مطلقة لحماية الوحدة الوطنية، مستحضراً قول الإمام موسى الصدر: “الوحدة الوطنية هي أفضل وجوه الحرب مع إسرائيل”، باعتبارها خط الدفاع الأول في مواجهة أي اختراق أو تفكيك داخلي.
بهذا، يرسم د. محمد عاصي صورة صراع يتجاوز الجغرافيا، بين قانون يتآكل وقوة تفرض نفسها، وبين ميدان قد يعيد رسم النظام العالمي، وداخل لبناني يقف على حافة التحدي.

