ليس أصعب على الإنسان من أن يُدفع إلى مفترقٍ لا نجاة فيه كاملة ولا خسارة فيه محتملة… إلا أن يكون هو نفسه الجسر الذي يعبر عليه الجميع فيما تتشقق أقدامه من الثقل.
هكذا يبدو موقفك اليوم… بين نارين لا تُطفئ إحداهما الأخرى بل تزدادان اشتعالًا كلما حاولت النجاة.
نارٌ إن خمدت قيل إنك نسفت تاريخًا من المقاوومة ومسحت بيدك ما كُتب بالددم والوجع والصبر.
ونارٌ إن تُركت أحرقت ما تبقى من الناس، وفتحت أبواب الإباادة على أهلٍ لم يعد لهم في هذا العالم متّسع لوجعٍ جديد.
أيُّ امتحانٍ هذا الذي وُضعت فيه؟
وأيُّ قلبٍ يُطلب منه أن يحتمل هذا التمزق دون أن ينكسر؟
نعرف… والله نعرف
أنك لست في موقع القرار السهل
ولا تملك رفاهية الاختيار النظيف
بل تمشي فوق حدّ السكين وكل خطوةٍ تُفسَّر خيانةً عند طرف وعجزًا عند آخر.
نعرف كم الحِمل عليك ثقيل
وكم الكلمات التي تُرمى عليك جارحة
وكم أن الناس—حين تخاف—تُحمّل من يقف في الواجهة ما لا يُحتمل وتطلب منه أن يكون المعجزة وهو بشر.
ستُتَّهم… مهما فعلت.
وستخسر قلوبًا… مهما أنقذت.
وسيُقال عنك ما ليس فيك… لأن الوجع حين يكبر يبحث عن أي كتفٍ يعلّق عليه خيبته.
لكن، رغم كل ذلك…
نحن هنا.
نفهمك… لا لأننا نعرف كل شيء، بل لأننا نعرف أن الموقف أكبر منّا جميعًا.
ونثِق بك… لا لأنك معصوم بل لأنك حملت هذه البلاد في أحلك لحظاتها ولم تتركها.
وندعو لك… لأننا نعلم أن من يقف في هذا المكان، لا يسنده إلا الله.
مهما حصل
لن نكون من الذين يطعنونك عند أول مفترق
ولا من الذين يبيعونك عند أول خوف.
نحن معك… لأننا نعرف أن الخيارات كلّها موجعة،
وأنك لا تختار بين الخير والشر
بل بين وجعين… وتحاول أن تُنقذ ما يمكن إنقاذه.
مثل كل مرة وقف فيها البلد على حافة الانهيار،
وكان لا بدّ من رجلٍ يحمل النار بيديه… كي لا تحرق الجميع.
فامضِ… ونحن خلفك بالدعاء،
وبقليلٍ من الصبر الذي نحاول أن نتعلّمه منك.
إن اقتديتَ بالحسين كنّا معك سيوفًا لا ترتجف نمضي حيث تمضي ونحمل عنك بعض هذا الدم الذي يثقل القرار…
وإن كنتَ حَسَنيًّا تجنحُ للسِّلم ما رأيناك يومًا مُذلًّا للجنوبيين ولا قابلًا أن تُكسَر كرامتهم على طاولةٍ أو تُباع تحت أيّ عنوان.
فنحن نعرف أنك مهما اخترت لن تختار طريقًا يُهين الناس الذين حملوك في قلوبهم كما تحملهم في قلبك همًّا يوميًّا
