الإعلامية جمانة كرم عياد
بسم الله الرحمن الرحيم
في رحاب شهر رمضان المبارك، حين كانت الدنيا تهجع في سكون الليل، والملائكة تهبط بالتنزيل، كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام واقفاً في محراب صلاته، مناجياً ربه، خاشعاً بين يديه. هناك، حيث يلتقي العبد بربه في أقدس لحظات الوجود، كانت الروح تصعد إلى بارئها.
في فجر تلك الليلة الباردة من التاسع عشر من رمضان، لم يكن المحراب يعلم أنه سيحتضن أشرف دماء سُكبت في تاريخ الإسلام. كان عليٌّ في سجوده، أعمق حالات التسليم والخضوع، فإذا بغادر الأشقياء يشهر سيفه المسموم، ليُصاب منه موضع السجود الذي ما سجد إلا لله.
ها هو ذا ابن أبي طالب، الذي قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله): “لا يُحبُّه إلا مؤمن، ولا يُبغضه إلا منافق”، يسقط على فراش الشهادة، تاركاً للأمة وصيته الخالدة: “فزت ورب الكعبة”.
كان استشهاده عليه السلام خاتمة لحياة لم تعرف الهزيمة، ولا المساومة على الحق. كان ميلاده في جوف الكعبة، واستشهاده في محراب العبادة، ليكون الإنسان الوحيد الذي ولد في بيت الله واستشهد في بيت الله. بدأ حياته في أشرف بقعة، وختمها في أشرف لحظة.
في استشهاد علي، لم يمت رجل، بل ماتت الدنيا بأسرها أمام عظمة الذين يموتون من أجل مبادئهم. لم يفقده شيعة اليوم فقط، بل فقده كل باحث عن الحق والعدالة. لقد كان صوت المظلومين، وحامي المستضعفين، وأبا اليتامى، وزوج البتول، وباب مدينة العلم.
في كل ذكرى لاستشهاده، نقف أمام مرآة أنفسنا لنسألها: هل نحن على العهد الذي قطعه علي مع الله باقون؟ هل فينا من عدالته نصيب؟ هل في حبنا له صدقٌ كصدق استشهاده؟
سلام على عليٍّ يوم ولد في الكعبة، ويوم استشهد في المحراب، ويوم يبعث حياً شهيداً. سلام علىٰ مولود الكعبة، وقبلة المحراب، وفارس الإسلام، وأمير المؤمنين، وإمام المتقين …
