الحرب على إيران ولبنان: هل انهار القانون الدولي… أم أننا أمام إعادة تشكيل للنظام العالمي؟
د. محمد عاصي –
تتجه المواجهة العسكرية المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران ومحور حلفائها من جهة أخرى، إلى مسار أكثر تعقيداً مما توقعه مخططوها في بداياتها. فالحسابات التي بُنيت في واشنطن وتل أبيب على فرضية أن الضربات الجوية المكثفة قادرة على إحداث صدمة استراتيجية سريعة تدفع طهران إلى التراجع، بدأت تتعرض للاهتزاز مع مرور الأيام الأولى للحرب.
فإيران، رغم حجم الضربات التي طالت مواقع عسكرية وبنى تحتية داخل أراضيها، استطاعت امتصاص الصدمة الأولية والاستمرار في إطلاق الصواريخ وتفعيل أدوات الرد الإقليمية. ولا يمكن فهم هذه القدرة على الصمود فقط من زاوية التوازن العسكري التقليدي، بل أيضاً من خلال العقيدة الاستراتيجية التي اعتمدتها الجمهورية الإسلامية منذ عقود، والقائمة على مفهوم “الصبر الاستراتيجي” وإدارة الصراعات الطويلة. فهذه العقيدة تنطلق من فرضية أن الحروب الحديثة لا تُحسم دائماً في بداياتها، وأن الزمن قد يتحول إلى عنصر استنزاف للطرف الأقوى عسكرياً، خصوصاً عندما تتداخل الحرب مع الاقتصاد العالمي والرأي العام الداخلي للدول الكبرى.
وفي موازاة ذلك، كشفت التطورات الميدانية في جنوب لبنان عن استمرار قدرة حزب الله على العودة إلى الاشتباك وإطلاق الصواريخ، رغم حجم الدمار الناتج عن الضربات الجوية الإسرائيلية. وهذا ما يعكس أن التفوق الجوي وحده لا يكفي لحسم المعركة، ويُفسر في المقابل طلب إسرائيل المتزايد للذخائر والقنابل الثقيلة من الولايات المتحدة، في مؤشر واضح إلى أن الحرب قد تتحول إلى مواجهة طويلة ومفتوحة.
غير أن أخطر أبعاد هذه الحرب لا يكمن فقط في تطوراتها العسكرية، بل في ما تكشفه من تآكل واضح في منظومة القانون الدولي التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية. فقد نص ميثاق الأمم المتحدة في المادة الثانية الفقرة الرابعة على حظر استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية، باستثناء حالتين محددتين: الدفاع الشرعي عن النفس وفق المادة 51 أو بتفويض صريح من مجلس الأمن.
لكن اتساع العمليات العسكرية واستهداف بنى تحتية مدنية ومناطق مأهولة في إيران وجنوب لبنان يثير تساؤلات جدية حول مدى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني. فقد أرست اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 قواعد واضحة لحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة. وتنص المادة الثالثة المشتركة بين الاتفاقيات الأربع على حماية الأشخاص غير المشاركين في الأعمال العدائية، فيما تؤكد اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين ضرورة عدم تعريض السكان المدنيين لعقاب جماعي أو استهداف مباشر.
كما يقوم القانون الدولي الإنساني على مبدأين أساسيين هما مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية ومبدأ التناسب في استخدام القوة. وإذا ثبت أن البنى التحتية المدنية قد استُهدفت عمداً بهدف زيادة الضغط على المجتمعات المحلية، فإن ذلك قد يندرج ضمن الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف التي يصنفها القانون الدولي ضمن جرائم الحرب.
غير أن المسألة تتجاوز الجانب القانوني إلى تحولات أعمق في بنية النظام الدولي. فهذه الحرب لا تبدو مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل قد تشكل نقطة مفصلية في إعادة تشكيل التوازنات العالمية. إذ إن كثيراً من الباحثين يرون أن النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية يمر اليوم بمرحلة انتقالية تتراجع فيها سلطة المؤسسات الدولية لصالح منطق القوة الصلبة.
وفي هذا السياق، يذهب بعض المحللين إلى أن الحرب الحالية قد تمثل أيضاً لحظة نهاية فعلية للترتيبات الجيوسياسية التي نشأت في الشرق الأوسط منذ أكثر من قرن، أي منذ اتفاقية سايكس–بيكو التي رسمت حدود المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى. فالتغيرات الجارية، سواء على مستوى التحالفات أو موازين القوى أو الصراعات على الطاقة والممرات البحرية، قد تؤدي في نهاية المطاف إلى إعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط بطريقة مختلفة جذرياً عما عرفته المنطقة طوال القرن الماضي.
ومن العوامل التي قد تؤثر بشكل حاسم في مسار الحرب، مسألة أسواق الطاقة العالمية. فارتفاع أسعار النفط والغاز نتيجة التوتر في الممرات البحرية الحيوية ـ مثل الخليج والبحر الأحمر ـ ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي. وهذا الارتفاع قد يتحول إلى عامل ضغط سياسي داخل الولايات المتحدة نفسها، خصوصاً إذا ترافق مع اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية.
ولا يقل أهمية عن العامل الاقتصادي تأثير الخسائر البشرية في صفوف القوات الأميركية. فالتجربة التاريخية للحروب الأميركية، من فيتنام إلى العراق وأفغانستان، تظهر أن ارتفاع عدد القتلى الأميركيين غالباً ما يؤدي إلى تحولات كبيرة في موقف الرأي العام. وإذا ما ارتفعت الخسائر البشرية في هذه الحرب، فإن ذلك قد يشكل ضغطاً داخلياً متزايداً على الإدارة الأميركية، وقد ينعكس مباشرة على حسابات الرئيس الأميركي في الاستمرار في التصعيد أو البحث عن تسوية سياسية.
وبهذا المعنى، فإن مسار الحرب لن يتحدد فقط في ساحات القتال في إيران أو لبنان، بل أيضاً في الداخل الأميركي، حيث تلعب الانتخابات والرأي العام والاقتصاد دوراً حاسماً في رسم القرار الاستراتيجي.
ومع استمرار التصعيد وتوسع دائرة العمليات العسكرية، يبدو أن المنطقة تدخل مرحلة شديدة الخطورة، قد تتجاوز حدود الحرب التقليدية إلى تحولات أعمق في بنية النظام الدولي نفسه. فالعالم يقف اليوم أمام اختبار صعب: هل ما زالت قواعد القانون الدولي قادرة على تنظيم العلاقات بين الدول ومنع الانزلاق إلى الحروب المفتوحة؟ أم أن النظام العالمي يتجه فعلاً نحو مرحلة جديدة تحكمها موازين القوة أكثر مما تحكمها القواعد القانونية؟
في ضوء كل ذلك، يبرز سؤال حاسم في ختام هذا المشهد المضطرب:
هل نحن أمام نهاية مرحلة تاريخية بدأت مع سايكس–بيكو وتكرست بعد الحرب العالمية الثانية، وبداية نظام دولي جديد تُعاد فيه صياغة الخرائط السياسية وموازين القوى؟
أم أن خطورة هذه الحرب قد تدفع المجتمع الدولي في النهاية إلى إعادة إحياء منظومة القانون الدولي، وإنقاذ ما تبقى من النظام الذي قام على فكرة أن القوة يجب أن تخضع لقيود القانون؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مصير هذه الحرب، بل قد ترسم أيضاً ملامح العالم في العقود المقبلة.

