بسمه تعالى
لم تُخفِ إدارة دونالد ترامپ نواياها بحق شعوب ودول منطقة الشرق الأدنى ، على طريقة فوضى الحمق السائدة والتي تعاني منها الولايات المتحدة الأمريكية في عهد هذه الإدارة ، فتصريحاتها بأنها قادرة على رفع وإنزال سعر الدولار الأمريكي دليل إضافي على أن سفارتها في العراق هي التي أدارت – عبر المنصات الإلكترونية – أزمة ارتفاع الدولار وانهيار العملة اللبنانية منذ ست سنوات ، حتى وصل الأمر إلى ما وصل إليه من أزمة نقدية وتدهور القطاع المصرفي الذي أكثر ودائعه الأجنبية هي ودائع عراقية بشهادة حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة .. كما أن كلام هذه الإدارة حول الدولار دليل إضافي على أن سفارتها عبر مناصاتها أدارت أزمة انهيار العملة الإيرانية ، وتقوم منذ سنوات خمس بمحاولات للعب نفس اللعبة – دون جدوى حاسمة – بالنسبة للعملة العراقية التي ارتفعت من 120 ألف دينار للورقة ، إلى أكثر من 150 في السنوات الخمس الأخيرة .. في تطور تحذيري من هذه الإدارة للسلطة العراقية ..
لكن الوضع في العراق يختلف تماماً عما جرى في لبنان وإيران ، فما يقرب من 500 شركة أمريكية تعمل الآن في العراق بمسميات مختلفة من أصل 700 شركة هي مجموع ما تملكه أمريكا من شركات اقتصادية ، أي إن أكثر شركاتها تعمل في العراق حالياً في قطاع النفط والغاز والمعادن والبناء والتكنولوجيا ومختلف الموارد الاقتصادية والبشرية .. كما أنها تقوم بشراء النفط والغاز والمعادن المختلفة العراقية وتحتفظ بثمنه في بنوكها وتُقطِّر على الحكومة العراقية دفعها لمستحقاته من إيرادات مما يزيد من تحكمها بسياسات الدولة العراقية لتمنع أبسط مقومات التنمية وهي الكهرباء .. !!
ولذلك فإن هذه الإدارة هي المستفيدة من العراق وليس العكس ، فماذا لدى هذه السلطة لتعطيه للعراق ؟ وماذا أعطت في العقدين الماضيين لتهدد بحرمان العراق منه لو اختار الرئيس نوري المالكي لتولي الحكومة في المرحلة المقبلة .. ؟ ولماذا كان المالكي مرضياً عند الأمريكيين في الجولتين السابقتين ؟! ولم يعد مرضياً عندهم حالياً ؟ !
الجواب : إدارة ترامپ لا تريد رجلاً قوياً .. بل تريد من ينفذ لها سياساتها ويحقق لها مصالحها دون اعتراض .. تريد من يزيد في إغراق العراق بالمديونية لتطول فترة استنزاف ثرواته من أمريكا التي هي الدائن الأكبر للدولة العراقية .. واعتراض إدارة ترامپ على اختيار المالكي ووصف ذلك بالقرار السيء دليل على صوابية هذا القرار ، وأن هذا القرار هو الذي سوف يضعف التسلط الأمريكي والتحكم بقرار الدولة العراقية وسيخرج أمريكا من موقع النفوذ المطلق على سياسات الدولة ..
ولا ننسى كلام من خبر السياسات الأمريكية لأكثر من نصف قرن من المواجهة وهو الإمام الخميني حين قال : ” إذا قالت أمريكا لا إله إلا الله فلا تصدقوها ” ..
ومهاجمة ترامپ لاختيار المالكي لن يؤثر في المدى المنظور كون الشركات الأمريكية العاملة في العراق تريد البقاء واستمرار العمل في ظل أزمات أمريكا الاقتصادية والاجتماعية التي تنذر بتفككها وانهيار الدولار عالمياً ، وهذا ما سينقطع تدريجياً لو نفذت إدارة ترامپ تهديداتها لحكومة المالكي المقبلة .. لذلك لن تتمكن هذه الإدارة من فعل شيء بعد التهديد .. وتصريحاتها ستدفع العراق للبحث عن أسواق جديدة لتسويق نفطه وغازه وثرواته المعدنية ، وسوق الصين وروسيا وكوريا الشمالية ، وحتى الهند ودول شرق آسيا ، بل وحتى الدول الأوروپية جاهزة وتنتظر لتلعب هذا الدور بقوة ..
فلا ينبغي على العراق الخضوع لتهديدات ترامپ الاقتصادية التي لن تجدي نفعاً مع العراق هذه المرة ، وسيتوقف النزف الاقتصادي الخطير تدريجياً عبر إيقاف سياسة المديونية وفتح أسواق عالمية جديدة أمام العراقيين ، مع المحافظة على مكاسب التعاون مع أمريكا في العقدين الماضيين وذلك كله فيما لو وصلت حكومة المالكي لرأس السلطة .. وإن غداً لناظره قريب ..
مركز الدراسات الإستراتيجية
المحلية والإقليمية والدولية

