المتروبوليت جورج إسكندر يحتفل بعيد مار يوسف في قانا ويواسي الأب جان يونس في دبل

قانا – صباح اليوم، ترأّس صاحب السيادة المتروبوليت جورج إسكندر الذبيحة الإلهيّة في رعيّة مار يوسف في قانا، بمناسبة عيد شفيع الرعيّة، وقد عاونه في في الاحتفال كان الرعية الاب عماد الحاج، والاب ريشار فرعون، وسط مشاركة حشد من أبناء البلدة والمؤمنين.

وبعد الإنجيل المقدّس، ألقى سيادته عظةً جاء فيها:

أحبّتي،

نلتقي اليوم في قانا، هذه البلدة التي يعرف ترابها معنى الفرح ومعنى الانتظار معًا، نلتقي بعد أيّام قليلة من عيد الميلاد، فيما المغارة ما زالت تفوح منها رائحة البساطة، والعالم من حولنا لم يُشفَ بعدُ من خوفِه وارتباكه. جئنا لا لنستعيد ذكرى جميلة، بل لنصغي إلى كلمة حيّة تدخل واقعنا اليوم، وتعرف طرقات بيوتنا وأسماء أولادنا وأوجاعنا.

الكنيسة تضع أمامنا هذا الأحد ثلاثة رجال من طينة واحدة:

داود، ويعقوب أخو الربّ، ويوسف خطيب العذراء.

لا يجمعُهُم عصرٌ واحد ولا ظرفٌ واحد، لكن يجمَعُهُم أمرٌ أساسي: أنّ الله كتبَ قصَّتَه معَهُم لا لأنّهم كانوا بلا ضَعْفٍ، بل لأنّهم كانوا أمناءَ حينَ دُعوا.

بولس في رسالته إلى أهل غلاطية لا يتباهى بإنجازاته، بل يجرؤُ أن يعترف:

»الإنجيل الذي بشّرتُ به ليس بحسبِ الإنسان «.

يعتَرِفُ أنّه كان يومًا مُضطهِدًا للكنيسة، مُقتنعًا أنّه يَخدُمُ الله وهو يَجْرَحُ جسدَ المسيح. ثمّ لمسَ الربُّ قلبَهُ، فصارَ من هادمٍ إلى بانٍ، ومن مُتعصِّبٍ إلى رسولِ رحمة. وكأنّ بولس يقول لنا اليوم: أخطرُ ما في الإنسانِ ليس ضَعفَهُ، بل اقتناعُهُ بأنّه على حقٍّ فيما هو يَبتعدُ عنِ الله.

كم من مرّةٍ نَعيش هذا الوهم؟ نُقنع أنفسنا أنّ ما نقوم به صوابٌ لأنّ الجميعَ يفعلُهُ، أو لأنّنا اعتدناه، فيما اللهُ يهمسُ في مكانٍ آخر من القلب. التحوّلُ ليس معجزةً من السماء، بل شجاعةً أن نسمحَ للهِ أن يغيّرَ اتجاهَنا.

ثمّ يأتي الإنجيلُ ليضَعَنا أمامَ يوسف، شفيعُ رعيتِنا. هذا الرجل الصامت الذي لا نسمعُ له كلمة، لكن نرى أثرَ قراراتِهِ في كلِّ سطٍر من قصّة الخلاص.

ملاكٌ يقول له: «قُم»، فيقوم.

لا يسألُ عن التفاصيل، لا يفاوضُ على التوقيت.

يأخذ الصبيّ وأمَّهَ ليلًا ويهربُ إلى مِصر.

يوسف لا يحملُ سيفًا، بل يحملُ طفلًا. لا يواجُهُ الشرّ بالشرّ، بل يحمي الحياة من الموت.

الهروب إلى مصر ليس تفصيلًا تاريخيًّا، بل جرحٌ مفتوح في قلبِش الإنجيل: طُفلٌ يُطارَد، أمٌّ تُقلَعُ من أرضِها، ورجلٌ يسيرُ في الليل لأنّ سلطَةً خافتْ من طفل.

ألسنا نعرف هذا المشهد؟ كم بيتًا في جنوبنا عرف معنى الرحيل القسري، وكم عائلة تعلّمت أن تجهّز حقيبتها قبل أن تجهّزَ طاولةَ العيد؟

لكن الإنجيل لا يتركُ يوسف في مِصر. يعودُ الملاكُ ويقولُ له: «قُمْ وارْجِعْ». الهروبُ مرحلةٌ، لكنّ العودةَ هي الهدف. الليلُ عابرٌ، لكنّ الصباح آتٍ. الله لا يعلّمنا كيف ننجو فقط، بل كيف نعودُ ونبني من جديد.

هنا، في قانا، نفهم هذا الكلام بعمق. هذه البلدة التي شهدت أوّل أعجوبة لا تعيشُ على الذكرى بل على الوعْدْ. يسوعُ لم يحوّلْ الماءَ إلى خمر ليصنَعَ استعراضًا، بل لينْقِذَ فرحَ بيتٍ بسيطٍ من الانكسار.

واليوم، نحن لا نحتاجُ إلى عجائب خارقة، بل إلى هذه الاعجوبة اليومية: أن يتحوّل خوفنا إلى ثقة، وتعبُنا إلى رجاء، وشكوانا إلى صلاة.

أحبّتي،

وفي قلب هذا الإنجيل الذي يتحدّثُ عن انتقالِ يوسف وتحويل بولس، نعيشُ اليوم انتقالًا رعويًّا في رعيتكم.

أبونا عماد، ابن قانا وراهب دير المخلّص، الذي خدمَكَم ثلاثُ سنوات بكلّ أمانة وتواضع، صدر قرار بالامس من الرئيس العام للرهبانية المخلصية الأرشمندريت أنطوان رزق أعلمني به، بأن سوف يتمُّ نقله إلى خدمة جديدة. أبونا عماد لم يكن بينكم مجرّد كاهن يؤدّي واجباتِه، بل كان أخًا ورفيق درب، دخل بيوتكم من دون تكلُّف، وجلسَ معكم على الأرض قبل أن يقف على المذبح، وبنى علاقة مع كلّ بيت كما لو أنّه بيت عائلته.

عرف طرقات البلدة كما يعرف كفّ يدِهِ، حفظ أسماء أولادكم واحدًا واحدًا، حمل أفراحكم الصغيرة كما يحمل الأوجاع الثقيلة، وسهر على المرضى كما يسهر الأب على ولده في الليل الطويل. كم من مرّة رفع صلاتَكم في الخفاء، وكم من مرّةٍ دافع عنكم من دون أن يسمع أحد صوته.

وباسمكم جميعًا أقول له اليوم من عمق القلب: شكرًا.

شكرًا على كلّ قدّاس احتفلت به أبونا عماد وكأنّه قداسك الأوّل،

شكرًا على كلّ كلمة رجاء خرجت من قلبك قبل لسانك،

شكرًا على صبرك حين ضاق الزمن، وعلى ابتسامتك حين كان التعب أكبر من الكلام.

نصلّي لك، يا أبونا عماد، أن يرافقك الربّ في خدمتك الجديدة، وأن يجعل من هذا الانتقال زرعًا جديدًا في أرض أخرى، فتُثمر حيثما تُرسَل كما أثمرت هنا في قانا.

إلى أن يتمّ التسليم والتسلّم في الرابع من كانون الثاني المقبل، نضع هذه المرحلة بين يدي الله، عالمين أنّ الراعي الحقيقي هو المسيح، وهو وحده يعرف كيف يحوّل الوداع إلى بداية جديدة.

أحبّتي،

الميلاد الذي نعيشه اليوم في جنوبنا ليس ميلاد الزينة فقط، بل ميلاد الإرادة. نحن لا نريد فقط أن نصمد، بل أن نحيا. لا نريد فقط أن نُصلح ما تهدّم، بل أن نعيد إلى هذه الأرض ثقتها بنفسها.

يوسف لم يعد إلى بيت لحم، بل سكن في الناصرة، في الهامش، لأنّ الله يحبّ أن يصنع المستقبل من حيث لا ينتبه أحد.

فلنحمل هذا الميلاد معنا إلى بيوتنا: أن نكون رجال قرار لا رجال تردّد، نساء رجاء لا نساء شكوى، كنيسة ترافق أبناءها لا من أبراج عالية، بل من طرق مصر والناصرة، من طرق الخوف والعودة.

يا ربّ، كما رافقت يوسف في الليل، رافق أبناء هذه الرعيّة في لياليهم.

وكما حوّلت قلب بولس، حوّل خوفنا إلى شجاعة.

وكما جعلت من قانا مسرحًا لأوّل فرح، اجعل من كلّ بيت فيها مكانًا تولد فيه الحياة من جديد.

وفي الختام، أعايدُ أبناءَ هذه الرعية جميعًا بعيدِ شفيعِها القدّيسِ يوسف، وأباركُ لكلَّ مَن يحملُ اسم هذا القديس العظيم، سائلًا الرَّبَّ أن يهبَكم قلبَ يوسف: صامتًا في الحبّ، ثابتًا في الأمانة، وقادرًا أن يحوِّلَ كلَّ خوفٍ إلى طريقِ خلاص. آمين.

وعقب القدّاس، انتقل الحاضرون إلى صالون الرعيّة حيث تبادلوا التهاني بالعيد في أجواء عائليّة طيّبها الفرح والبساطة.

وفي ختام هذا النهار الرعوي، توجّه سيادته إلى بلدة دبل، مقدّمًا واجب التعزية إلى الأب جان يونس، المرسَل اللبناني والأمين العام لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، وإلى العائلة الكريمة، بوفاة والدهم، مرافِقًا إيّاهم بالصلاة والرجاء، ومؤكّدًا قرب الكنيسة من أبنائها في ساعات الحزن كما في ساعات الفرح.

Leave A Reply