بعد المقال الذي نشره فضيلة الشيخ ربيع قبيسي بعنوان «الحبرُ الأعظم يزور أرض القداسة، والجنوبُ ينتظر البركة البابويّة»، والذي حمل رؤية وجدانية لوطن يجتمع فيه الإيمان والإنسان، وردٌّ صادق من قلب الجنوب إلى قداسة البابا، جاء جواب المتروبوليت جورج إسكندر بروح المحبة والتلاقي نفسها، مؤكّدًا أنّ الكلمة الصادقة قادرة على فتح أبواب الحضور الروحي وتكريس العيش المشترك مهما تغيّرت الظروف.
وفي ما يلي نصّ ردّ المتروبوليت كاملًا:
كَلمَةُ تَلاقٍ
في الأسابيع الماضية، كَثُر الكلام عن سؤال واحد يتردّد في المجالس والبيوت:
لماذا لا يزور قداسة البابا الجنوب؟
سؤال مفهوم، وربما طبيعي في ظلّ ما نعيشه.
لكنّ ما استوقفني لم يكن السؤال، بل نصٌّ قرأته للصديق الشيخ ربيع قبيسي بعنوان:
«أهلاً في أرض القداسة… جنوبُنا ينتظر بركتكم».
www.3akselseir.com/news/440186
كلمة خرجت من قلب يعرف أرضه، فوجدتني مدفوعًا لأبادله كلمة من الروح نفسها.
أخي الشيخ ربيع،
لم أشعر وأنا أقرأ ما كتبت بأنني أمام مقال.
كانت كلماتك أشبه بنبضة أرض، بنَفَسٍ يخرج من قاع الجنوب… من ترابه، ومن بيوت ناسه، ومن صلواتهم التي ترتفع في المسجد كما ترتفع في الكنيسة.
كأنك قلت ما يقوله الناس عادةً بينهم، لا أمام منبر ولا على صفحات الصحف.
سمعتُ في كلامك صوت العمامة التي ورثت مدرسة الإمام موسى الصدر، صوت رجلٍ يحمل هموم الناس قبل أن يحمل أي لقب، يقترب من أهل الجنوب لا بخطابة ولا بشعارات، بل بخدمة يعرف ألمها جيدًا.
هذا الصوت أعرفه؛ هو الصوت الذي يخرج من القرى حين يهدأ الليل وتبقى الناس على ضوء القناديل.
الجنوب الذي تحدّثت عنه ليس مساحة على خارطة.
هو قصة طويلة، كتبها الشهداء والأمّهات والمعلّمون والجنود والمزارعون، واحتضنتها المساجد والكنائس معًا.
جنوبٌ يعرف أنّ العيش المشترك ليس شعارًا، بل يوميات تُصنع بالتعب والعرق والدموع.
وأنت واحد من الذين خدموا هذا الجنوب بأمانة، كما أنّني واحد من الذين يحملون وجعه وصلاته على المذبح.
لذلك لم أقرأ كلامك كتعليق على زيارة، بل كقراءة أعمق في قلب الجنوب نفسه.
ومهما تغيّرت جداول الزيارات البابوية، يبقى أمر نعرفه جميعًا:
أنّ قلب الحبر الأعظم ليس مقسّماً مناطق، ولا تُحدّه خطوط.
هو يرى لبنان واحدًا، جريحًا كلّه، محتاجًا كلّه إلى صلاة وبركة ورجاء.
قد لا يكون الجنوب محطة في الزيارة هذه المرّة،
لكنّ اسمه حاضر في صلوات البابا، وفي التقارير التي تصله، وفي كل كلمة يوجّهها إلى شعب لبنان.
وأحيانًا… يكون الحضور الروحي أعمق من الوجود الجسدي، ويصبح الانتظار نفسه مساحة نعمة تُنضج كلّ شيء بصبر.
حين يقف قداسة البابا في أي نقطة من هذا الوطن، يمتدّ صوته تلقائيًا إلى الجنوب،
لأنّ الجنوب ليس طرقات ولا أبنية.
الجنوب وجوهٌ وقلوب وصمود…
وهؤلاء لا يغيبون عن قلب أيّ راعٍ كبير، مهما كانت الجغرافيا.
وفي الجنوب، لا يقف الحضور المسيحي كصفحة من التاريخ.
هو حياة يومية تُكتب رغم كلّ شيء:
في الكنائس التي بقيت مفتوحة،
وفي العائلات التي تمسّكت بقراها رغم الخوف،
وفي الرعاة الذين اختاروا أن يبقوا مع أبناء رعيتهم، وأن يحملوا همّهم قبل همّهم الخاص.
هذا الحضور المسيحي، حين يلتقي بالحضور الإسلامي، يصنع أجمل ما في الجنوب.
يصنع رجاءً لا يستطيع أحد أن ينتزعه، ويذكّرنا بأنّ الله يسكن بين الذين يحبّون بعضهم، لا بين الذين ينقسمون.
والمسيح، الذي مرّ على صور وصيدا وقانا، لم يغادر هذه الأرض.
لا يزال يمرّ في وجوه الناس، في البيوت المتعبة، في العيون التي تعرف الدموع ولا تفقد الرجاء.
يا شيخ ربيع،
كلمتك أكّدت ما نعرفه:
الجنوب لا يمكن اختصاره بطائفة ولا بلون واحد.
هو مدرسة صعبة… مدرسة صبر وتحمّل وشراكة.
مدرسة تعلّمنا أنّ لبنان الحقيقي لم يولد من اتفاق سياسي، بل من ناس قرّروا أن يعيشوا معًا، مهما اشتدّت الرياح.
وأنت – بعمامتك وخدمتك – شاهد على هذا العيش.
ونحن – بصلواتنا ورعايانا – شهود لمحبة المسيح على هذه الأرض.
وبين الشاهدين، يكبر الوطن، ويقوى الجنوب، وتثبت الرسالة.
أشكرك يا صديقي،
لأنك قلت ما يتردّد في القلوب قبل أن يُقال على العلن:
أنّ الأوطان لا تُبنى بالانقسام،
ولا تنهض بالكلام الفارغ،
بل بأن نلتقي… ونتحمّل… ونُحبّ.
وأنّ الرسالات التي حملها الأنبياء لم تُعطَ لنتخاصم حولها، بل لنحمل نورها ونسلّمه إلى بعضنا البعض.
ليبقَ الجنوب – بشيوخه وكهنته، بمساجده وكنائسه، بأهله كلّهم – شاهدًا أن لبنان ليس جغرافيًا فقط،
بل محبّة تُعاش، وعناد رجاء لا يموت.
وأنّ البركة الحقيقية ليست في محطة تُسجَّل في الروزنامة،
بل في أن نرى الله في وجه الآخر، وفي أن نصرّ على البقاء معًا.
بارك الله خدمتك يا أخي،
وليبقَ هذا التلاقي بيننا…
برهانًا أنّ لبنان الجميل لم ينتهِ بعد،
وأنّه ما زال ممكنًا…
إذا أردناه سويًّا.
المتروبوليت جورج اسكندر

