كان كل شيء حبيس الخوف
رهين القلق
تتآمر اللحظات على النبض
ويشتعل الهواء بريبةٍ لا تُرى
كل شيء كان ضبابيًّا
مشوّشًا كحلمٍ شارف على التبخّر
معلّقًا بين سؤالٍ بلا جواب
وجوابٍ خائفٍ من النطق
كأنّ الوجود نفسه يبحث عن تعريف جديد
كان الجنوب يئن بصمت كي لا يوقظ فينا الخوف
كان يتكور على نفسه
كجنينٍ لم يُولد
كاد الجنوب يحتضر بل كان الجنوب يحتضر
في تلك الليالي الرمادية
كان القصفُ لا يأتي من السماء فقط
بل من كل اتجاهات الذاكرة
حتى الهواء… كان مفخخًا برائحة الموت
تتنشقه رئتاي كما لو أنه صلاةٌ أخيرة على صدر الغياب
وكان الجنوب
بكل قراه
يحترق كبيت شعر كُتب بحبر الكبريت
وشُطب بالنار
البيوت انكمشت كأجساد العجائز في الملاجئ
والنوافذ… أغمضت عيونها كي لا ترى من يسقط
كل شيء كان منكسر الخاطر
الحجارة، الأشجار، والضحكات
كانت القرى تقصف
كما لو أن الطائرات كانت تحقد على اللون
على ضوء الغروب
على الأغاني التي ما زالت عالقة بين أغصان الليمون
حتى النهر بكى
وغير مجراه، خجلًا من دمنا
كان كل شيء ينطق بالموت
الهواء مشقوق بصوت الطائرات
الأرض متوجعة كأمٍ تنبش التراب بيديها لتستخرج ابنها
والزيتون كان يصرخ بثمارٍ كالمقذوفات
كان الدمار يتسلل من النوافذ
يحفر في الجدران تجاعيد الخوف
وكان الموت يمرّ في الأزقة بلا استئذان
يطرق البيوت بخفة
ثم لا يخرج منها أبدًا
والقرى ؟ لم تكن تحترق بالنار فقط
بل بأسماء الشهداء التي تضيء الحيطان
كان يحترق
بأكفّ الأمهات اليابسة فوق الثرى
وبعتمة البيوت التي فقدت صوت الخطى
في ذاك اليوم
انشقّ الجنوب عن نفسه
وسقط من خصر البلاد كدمعةٍ معلّقةٍ على رمش التاريخ
ذلك اليوم لم يكن نهارًا عاديًّا، بل صدعًا في الزمن
أعلن الجنوب فيه وجعه على الملأ
ومضى الجنوبيون يرحلون عن قراهم
لا ظهر لهم إلّا الأرض التي ودّعوها
ولا رئة لهم سوى الغبار الذي ضاق في صدورهم
خرجوا
وفي كل خطوةٍ تقهقر الكون
كأنّ الحنين كان يسحبهم من أطراف أثوابهم
كأنّ البيوت تصرخ من نوافذها
“لا تسلموا هواء الجنوب .. “
في ذلك اليوم ما كان الجنوب جغرافيا، تقصف
بل نحيبُ تلالٍ، وارتعاشُ أشجار
كان كل حجرٍ يهوي، كأنه ضلعٌ من قفص القلب
وكل شظيةٍ تسقط على خاصرة قرية
كأنها تمزّق فينا صورة من ذاكرة الطفولة
بقينا وحدنا
العالم مضى إلى صمته
إلّا انا، بقيت كصوت الأذان في خلوة الجبل
احرس الزمان الباقي في ترابنا
أشدُّ على جراحنا كما تُشدُّ الكف على بندقيّةٍ بلا رصاص
أمشي فوق الرماد،
أكتب أسماءنا على الريح،
وأقول: لم نُخلق لنرحل
نحن أبناء التبغ
الذي يُذلّه الحرق ولا ينهزم
الذي ينبت من ترابٍ أنهكته القذائف
ويفوح منه عنفوان البلاد كلما اشتدّ عليه الرماد
صمد الجنوب
لأن في عروقه زيتًا لا يحترق
ودمعًا لا يُرى، لكنه يسقي الحجر
فيه شعب انكسر خاطره ذات خروج لكنه لم يتهشم
في ذلك اليوم
تكسّر صدى الجنوب على أعتاب التهجير
في ذلك اليوم،
تقلّصت القرى في قلوب أهلها،
وبات الجبل بلا صدى
كأنّ النسيم نفسه بكى حين لم يجد من يردّ عليه.
مشينا خلف القهر حفاة
نحمل في أعيننا ظلال التين
وفي أكتافنا أعمدة البيوت التي سقطت ولم تسقط
وسؤالنا المميت كيف نحمل الجنوب في حقيبة
كنا نتأوّه كالأمهات في المخاض
لكننا لم نصرخ
كنا نذوب كلما سقطت شجرة زيتون
لكننا لم نتفكّك
أما أنا بقيت وحدي
اقف على حافة الوجع أتحين الفرص لاطمئن عليك عن قرب
.لم أقوَ على فراقك
صمدت
كما تصمد وردة في فم بندقية
كما تصمد طفلة في حضن الحريق
وبقيت
لأنك في عيوني وطنٌ لا يحتمل النفي.
بقيت وبكيتُ
بكيت الصدى حين توقف
وبكيت التراب حين ما عاد يتسع للأحلام.
كنتَ أنت الحرب،
وكنتُ أنا القصيدة التي رفضت أن تُولد إلّا بين أنقاضك.
في تلك الليالي المبلّلة بالخوف
كان الجنوب لا ينام… بل يختنق
ليس من دخان القصف
بل من صمتٍ ثقيل
كأنه يُخبّئ تحت ترابه ألف جثة لغيمةٍ لم تمطر.
حينها لم أكن شاهدة
كنتُ شتلة تبغ مزروعة في صدر الجبل
تتنفس بارود القصف وتُزهر وجعًا
لم انسحب قررت ان انسكب
لأن الركام كان في داخلي
والانهيار كان في شقوق روحي
أقف هناك
وحولي انت تتلو مرثيتك بصوت التراب
فلبست رمادك كي لا اغري الطائرات بلون الحياة
أقف هناك لا أقوى على الرحيل
لا لأنك مأهول بالحياة
بل لأنك حجّة وجود
ونصّ العدالة في دساتير روحي
صمدت
كما تصمد موادّ الحق حين تُطعن
كان الدمار يسجّل اعتراضه على الورق والحجر
وكانت رائحة الموت
تحوم كوثيقة لا تحتاج لتوقيع
كان كل بيت يشهد
وكل حجر يؤرّخ
فأنت ما كنت ساحة حرب فقط،
بل محكمة مفتوحة
نحن فيها الشهود
والتاريخ قاض
وترابك المغسول بدمنا الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل النقض
لم أنسحب قررت أن أنسكب
لأنك لست ساحة ، أنت مسألة وجود
. لا تحترق
بل تُطهَّر بالنار
لتكون أصدق
لا تنهار
بل تُنقش على جبين التاريخ
كنصٍّ فوق الطعن
وقضية
لا تسقط بالتقادم
ولا تنتهي بوقف التنفيذ
لم أهرب
لأنّ الهروب انتقاص من الحجّة
ولأنّ العدالة لا تُنجز من خلف النوافذ المغلقة
صمدتُ
كأنّي أوقّع على وثيقة وجودي
وأثبت أنّ في كل شتلة تبغ
مادة من مواد الدستور
وفي كل دمعة
أدلة لا تُدحض
وأنك لست جغرافيا،
بل أطروحة فلسفية في معنى الصمود
نصّ قانوني غير مكتمل
تسكنه الاعتراضات، وتعيد كتابته التضحيات
كان الدمار يضرب بيوتاتك
لكنّي شعرت أن الركام في صدري
وأنّ الانفجارات تنسف ترتيب روحي
تخلخل قناعاتي
تعيد تعريف الحب
والوطن
والنفس
فعلى ارضك،
القانون لا يُكتب بالحبر
بل بالدم النظيف
والألم المشروع
والمرافعة الصامتة في حضرة الغياب
لم أكتب شيئًا حينها
لأن الحبر خاف من الدم،
والمفردات اختبأت في صدري كأطفال تحت الطاولات.
لكنني اليوم،
أرثيك بحروفي،
وأبكيك بسطرٍ فوق سطر
كمن يعيد دفن أحبته في كل قراءة
يا جنوب
كنتَ القصيدة التي انفجرت في فمي
والجميلة التي احترقت على سرير الوقت
والوطن الذي ما زال يتعلم كيف يُولد من تحت الرماد
يا رصيفًا نبت عليه الشهداء كزهور لا تذبل
سلامٌ على ترابك المبلل بالحياة
سلامٌ على وجعي الذي أودعته فيك
سلامٌ على قلبِك حتّى يطمئنَ نبضه
سلامٌ على قلبي الذي لم ينجُ منك
ولا أراد النجاة
سلامٌ على آهِك
وأنا أكتبها كفصل في كتاب العدالة
كأنّ القانون كلّه يُعاد صياغته من بين شقوقك
ثم، كأنّ السماء قرّرت أن تستفيق
كأنّ الأرض رفعت شكواها إلى خالقها
فحدثت المعجزة
من حيث لا يُنتظر الفرج
ومن قلب الانكسار
تشقّق الوقتُ عن لحظةٍ خارقة
وإذا بالحرب تنكسر لا على يد جيشٍ عظيم
بل على يد الإيمان الذي لم يهن،
وصبرٍ سكن في ضلوع الصامدين
وجهد بان في عيون حامي العرين
ودعوات الجدّات اللواتي بَقين يتهجّين أسماء القرى مع كل فجر.
توقّف القصف
كأنّ صوت الجنوب قال كفى
فتردّد في الآفاق، وانكفأت النار إلى جحيمها
وعاد الجنوبيون من المنافي الصغيرة
يرتّبون حجارة بيوتهم كما تُرتّب القلوب
ويوقظون الحقول من غفوتها
كأنهم ما غادروا يومًا
لم تكن عودةً فقط
كانت بعثًا
وكان الجنوب كطائر فينيق نفض رماده
ونهض
وحمل على كتفيه الذاكرة والحياة
وقال للدنيا كلها: هنا كنّا، وهنا سنكون
