ذاكرة الجراح… وإرادة لا تُكسر – كتب الإعلامي قاسم صالح صفا

كتب الإعلامي قاسم صالح صفا

في هذه الأيام، نستعيد وجوهاً غابت بالشهادة، وأحبة افترقوا بالنزوح، وقرى تحوّلت إلى رماد بفعل العدوان الإسرائيلي، الذي لم يزل منذ عشرات السنين يقتل ويهجّر ويدمّر. لم تكن الحرب مجرّد جبهة نار وصواريخ، بل كانت امتحاناً للإنسان في صموده وكرامته وإرادته في البقاء.

في لبنان، لا يمرّ يوم بلا ذكرى. كأن ذاكرة الوطن خُطّت بالدمع والدم، و حتى دقائق الزمن تحفر في قلوب الناس مناسبات أليمة، تُعيد إليهم مشاهد الحرب والغياب والرحيل.

فالبلدة الصغيرة لم تعد بلدة، صارت بلدات في المنافي والشتات، من ضيق المنازل إلى وسع الغربة، ومن حضن التراب إلى وجع الإسفلت، حمل اللبنانيون حكاياتهم على أكتافهم. حكايات عن النزوح وذلّه، وعن الشهادة ورفعتها، عن بيوتٍ سقطت ولم يسقط معها الأمل، وعن رزقٍ ضاع تحت القصف لكنه لم يسرق لقمة الصمود.

العدو الإسرائيلي أراد للبنان أن يكون ساحة خراب، لكن لبنان كان دائماً ساحة مقاومة. أراد أن يزرع الموت في النفوس، فإذا بالحياة تخرج من بين الركام. أراد أن يقتل الهوية، فإذا بالشهداء يكتبون هويةً بدمائهم على صفحات الأرض.

اليوم، نستحضر ذكرى الحرب، لا لنغرق في حزنها فقط، بل لنعلن أن ما صنعه اللبنانيون من صمود، وما كتبه المقاومون من ملاحم، هو الذي حفظ للوطن بقاءه، وهو الذي جعل من الذاكرة الأليمة مدرسةً للأجيال.

لبنان وطن لا ينام عن جراحه، لكنه أيضاً وطن لا يتنازل عن حقه في الحلم.

 وحين نذكر الشهداء، نعرف أن حزننا ليس عابراً، بل وجعاً مقيماً يذكّرنا أن الدم الذي سال كان ثمن البقاء وكرامة الأرض.

صور:24/9/2025

Leave A Reply