جاء تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن استعداد حكومته لتقليص وجودها العسكري في الجنوب اللبناني، مشروطاً بتنفيذ قرار حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، ليعيد التذكير بأسلوبه التقليدي في المناورة والابتزاز. فالحديث عن الانسحاب لا يتجاوز كونه ورقة ضغط سياسية وإعلامية، غايتها الإيحاء بأن إسرائيل منفتحة على التهدئة، فيما هي تواصل خرق السيادة اللبنانية يومياً براً وبحراً وجواً. والأسوأ أنّ هذا الإعلان يفتقر لأي ضمانة أميركية أو دولية جدّية، ما يجعله أقرب إلى فخ سياسي يهدف إلى إحراج لبنان، وتغذية الانقسام الداخلي أكثر مما هو التزام حقيقي بانسحاب فعلي.
في المقابل، يصرّ حزب الله على التمسك بخطاب التحدي والتهديد بالنزول إلى الشارع، وكأن المشكلة تكمن في قرار الدولة بحصر السلاح وليس في الاحتلال الإسرائيلي. هذا المنطق التصعيدي لا يخدم إلا العدو الإسرائيلي نفسه، لأنه يكرّس صورة بلد منقسم على ذاته، عاجز عن توحيد كلمته الوطنية في لحظة مفصلية قد تشهد انسحاباً إسرائيلياً – ولو تدريجياً – لو أحسن لبنان استثمارها. إن التلويح بالشارع يستدرج شارعاً أو شوارع أخرى، ويضع الحزب في مواجهة مباشرة مع الدولة ومع شرائح واسعة من اللبنانيين، ويحوّله من «مقاومة» ضد الاحتلال، إلى طرف يعيق سيادة الدولة ويهدد وحدتها الداخلية.
المطلوب من حزب الله، إذا كان جاداً في خطاب «حماية لبنان»، أن يترجم ذلك أولاً بالتخلي عن منطق السلاح الموازي، وثانياً بوقف سياسة التخوين التي تصب الزيت على نار الانقسام. فالإصرار على الخطاب الحالي لن يؤدي إلا إلى تضييع فرصة تاريخية، وإعطاء نتنياهو ما يريد: لبنان ضعيف، منقسم، لا يملك إجماعاً داخلياً يفرض على المجتمع الدولي التعامل معه بجدية.
أما على مستوى الدولة، فلا يجوز التعاطي مع تصريح نتنياهو بالثقة أو الاطمئنان. فإسرائيل التي لم تلتزم يوماً قراراً دولياً، لن تتخلى عن أوراقها مجاناً. المطلوب موقف لبناني موحَّد يطالب بانسحاب كامل غير مشروط، تحت سقف القرار 1701 وبضمانات أميركية وأوروبية ملزمة. غير ذلك، سيبقى لبنان عرضة للمساومات الإسرائيلية، فيما يواصل حزب الله بسياساته الداخلية تغليب منطق الانقسام على منطق الدولة.
إن لحظة الحقيقة باتت واضحة: إما دولة قادرة على احتكار السلاح والتحدث باسم جميع أبنائها، أو دويلات متناحرة تتيح لنتنياهو أن يبيع أوهام الانسحاب، ويواصل الاحتلال بطرق أخرى.
صلاح سلام – اللواء

