رحاب حسين
سنبحر وإياكم في تراثنا الأدبي الثرّ، ونقتطف من حقله الواسع الكبير في كلّ مناسبة زهرة يُطيّبنا أريجها وثمرة تفيدنا على ما نحن عليه.. وسنختار شخصيات ومواقف وآثارا ونوادر.. علّنا في هذا الاسترجاع نفتح صفحات أحداث وأناس كادت تنحسر من ذاكرة الأجيال. ولتكن بدايتنا بالخليل بن احمد الفراهيدي.. وهو عبدالرحمن الخليل بن احمد بن عمرو بن تميم الفَرَاهيديّ ويقال: الفُرْهودي الازدي، والفراهيدي نسبة الى فراهيد، وهي بطن الأزد والفرهود ولد الاسد بلغة أزد وقيل ان الفراهيد صغار الغنم، ولد الخليل في سنة (100هـ) في زمن الخليفة الاموي عمر بن عبدالعزيز، وكان رجلا صالحا عاقلا، مفرط الذكاء وقورا، واكثر ما شاع من صفاته بعد العلم وانقطاعه له ما كان من زهده وورعه، الصبر على خشونة العيش، فلا يظهر عليه ملمح لضائقة، وهو القائل: «إني لأغلق عليّ بابي فما يجاوزه همي».
سيد أهل الأدب
يُعد الخليل استاذ النحو وواضع علم المعاجم اغترف اهل اللغة من بحر علومه، وكان من اذكى الناس وأوسعهم فطنة، وصفه ابن الانباري: الخليل سيد أهل الأدب قاطبة في علمه وزهده والغاية في تصحيح القياس واستخراج مسائل النحو وتعليله، اضافة لعلم العروض الذي قيل عنه: انه دعا بمكة أن يُرزق علماً لم يسبقه اليه احد، ولا يؤخذ الا عنه، فرجع من حجّه، ففتح عليه بالعروض الذي ذاعت به شهرته بالإضافة لكتبه ومصنفاته كالعين، والشواهد، ومعنى الحروف، والمُعَمّى وغيرها.
سموّه النفسي
اما تواضعه فمن افضل ما عُلم عن أدب الخليل وتواضعه ما حكاه عنه أيوب بن المتوكل حيث يقول «وكان الخليل اذا أفاد إنسانا شيئا لم يُره أنه أفاده، وان استفاد من احدٍ شيئاً اراه بأنه استفاد منه» وهذا دليل على سموّه النفسي، واحترام صاحب العلم والاقرار بفضله، وعن تلميذه النضر بن شميل الذي قال «ما رأيت أحدا يطلب اليه ما عنده أشد تواضعا منه» وقال عنه «أكلت الدنيا بعلم الخليل بن احمد وكتبه وهو في خصّ لا يشعر به»، فقد كان الخليل من ازهد الناس واعلاهم نفسا فقد كتب اليه سليمان بن علي يستدعيه الخروج اليه، وبعث له بمال كثير، فردّه الخليل وكتب إليه: أبلغ سليمان أني عنه في سعة وفي غنى غير أني لست ذا مالِ يسخو بنفسي أني لا ارى أحدا يموت هزلا ولا يبقى على حالِ والفقر في النفس لا في المال نعرفه ومثل ذاك الغنى في النفس لا المالِ والمال يغشى أناساً لا خلاق لهم كالسيل يغشى أصول الدّندن البالي وكان الخليل بن احمد ينشد كثيرا هذه الابيات: واذا افتقرت الى الذخائر لم تجد ذخرا يكون كصالح الأعمال ومن تواضع الخليل ونصحه وعنايته بمن يأخذ عنه، قوله في هذين البيتين: اعمل بعملي وإن قصّرت في عَملي يَنْفعكَ علمي ولا يضررك تقصيري وانظرْ لنفسك في ما أنتَ فاعله من الامورِ وشمّر فوق تشميري كان الخليل كثير الدعاء بقوله: اللهم اجعلني عندك من أرفعِ خلقك واجعلني عند نفسي من أوضعِ خلقك واجعلني عند الناسِ من اوسط خلقك.
من أقواله:
■ «إنك لا تعرف خطأ معلّمك حتى تجلس عند غيره»
■ «ثلاثٌ ينسين المصائب: مرُّ الليالي والمرأةُ الحسناء ومحادثةُ الرجال»
■ «ما سمعت شيئاً إلا كتبته، وما كتبته إلا حفظته، ولا حفظته إلا نفعني» فالخليل عاش عجيبا في حياته، متفردا بين بني جنسه، لا يرى لنفسه فضلا على احد، وان اكبر أسباب شهرته بالإضافة لعلمه وتواضعه هو تلاميذه الذين عنى بهم اية عناية كسيبويه وغيره.
المصدر: القبس الكويتية

