على طريقة «لا يُرضي العباد إلا رب العباد»، يتعامل أهل السياسة مع تأليف الحكومة، وكل فريق يسعى للحصول على الوزارات الدسمة، سيادياً وخدماتياً، وعلى حصة الأسد من المقاعد الوزارية، ضاربين عرض الحائط، معايير الأحجام النيابية والتمثيلية، ومتجاوزين مقاييس الكفاءة والإختصاص، التي يجب توفرها في وزراء لحكومة برنامجها الأساسي تحقيق الإصلاحات الإدارية والمالية والنقدية والإجتماعية، المطلوبة من الدول المانحة والمؤسسات المالية الدولية، كشرط أساسي لتقديم الدعم والمساعدات لإعادة إعمار ما دمرته الحرب الإسرائيلية، ووقف الإنهيارات المتواصلة.
كل الأطراف السياسية أشادت بخطاب القسم، واعتبرته خريطة طريق لإخراج البلاد والعباد من دوامة الأزمات المتناسلة. ولكن الكلام الجميل عن الخطاب، والمصحوب بالإستعداد لتسهيل إنطلاقة العهد، ودعم خططه الإصلاحية، بقي مجرد حبرٍ على الورق، ثم سرعان ما تبخر بمجرد بدء الإستشارات النيابية غير الملزمة للرئيس المكلف، حيث انهالت طلبات الكتل النيابية، التي تتطلب تشكيل حكومة من ١٢٨ وزيراً لتلبيتها!
وكان من المتوقع أن يتحول العهد ومشروع حكومته الأولى إلى هدف للحملات المغرضة من أطراف تخشى من مسيرة الإصلاحات المصرفية والمالية والاقتصادية التي سيطلقها العهد في انطلاقته الأولى، إلى جانب التسريبات الملغومة التي تقوم بها جهات وشخصيات سياسية، صُدمت بنتائج الإستشارات النيابية الملزمة وتسمية القاضي الدولي نواف سلام رئيساً مكلفاً لتشكيل الحكومة.
ولكن المفارقة الصادمة، تكمن في إنضمام كتل نيابية شاركت في تسمية الرئيس المكلف، إلى جوقة الحملات المغرضة، التي راحت تشوه الشخصيات المطروحة لدخول التركيبة الحكومية، وذلك في إطار الحرب النفسية الشعواء التي تستهدف الرئيس المكلف، وممارسة شتى الضغوط الإعلامية والسياسية عليه، لعرقلة الولادة الحكومية.
ولوحظ أن ثمة تركيزاً خبيثاً على الشخصيات السنيّة بالذات، وتشويه هويتها الشخصية، والتشكيك بكفاءة وخبرات معظمها، رغم أن هذه الشخصيات تشغل مناصب قيادية في مؤسسات دولية، تعتمد مبادئ العلم والكفاءة والإختصاص في تعيين أصحاب المناصب العالية، على خلفية الشفافية والحوكمة والنزاهة.
ومن المحزن فعلاً أن إهتمامات معظم الأطراف السياسية تتركز على الحصص الوزارية، بدون الاهتمام بمضاعفات التأخير المستمر في تأليف الحكومة، سواء بالنسبة لاستحقاق ١٨ شباط والإنسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، أو بالنسبة لأهمية تظهير الحكومة لتحريك المساعدات الخارجية، وتمكين رئيس الجمهورية القيام بزياراته إلى الأشقاء في السعودية والدول الخليجية، لإرساء قواعد التعاون الإستراتيجي لما فيه مصالح لبنان والدول المعنية.
الوطن يُنادي أصحاب الضمائر الحيّة..، فهل ثمة حياة لما يُنادي؟
صلاح سلام – اللواء

