د. محمد عاصي –
تطرح التطورات السياسية والأمنية الأخيرة في لبنان إشكالية تتجاوز البعد الظرفي المرتبط بالاجتماعات العسكرية أو الضغوط الدولية، لتلامس جوهر مفهوم السيادة ذاته: من يملك القرار السيادي في الدولة؟ وهل تُمارس السيادة لحماية الجماعة الوطنية، أم لإدماج الدولة ضمن منظومة أمنية خارجية تعيد تحديد أولوياتها ووظائفها؟
هذا السؤال يصبح أكثر إلحاحاً مع الاجتماع العسكري الثلاثي المرتقب في ٢٩ أيار في واشنطن، والذي يأتي في سياق مسار سياسي وأمني بدأ يتبلور منذ قرارات ٥ و٧ آب ٢٠٢٥، وسط حديث متزايد عن تفاهمات أمنية قد تفضي إلى دور لبناني أكثر التصاقاً بالمقاربة الأميركية ـ الإسرائيلية في جنوب لبنان.
لفهم هذا التحول، يمكن الاستناد إلى المقارنة الكلاسيكية بين فلسفتي توماس هوبس وجان جاك روسو حول السيادة والدولة.
يرى هوبس أن الإنسان، في حالته الطبيعية، يعيش في صراع دائم يهدد وجوده، ما يدفع الأفراد إلى التنازل عن جزء كبير من حرياتهم لصالح سلطة مركزية قوية تحتكر القوة وتضمن الأمن والاستقرار. ووفق هذا التصور، تصبح السيادة مرتبطة أساساً بوظيفة الحماية؛ أي إن شرعية الدولة تستمد من قدرتها على منع الفوضى وحفظ الأمن العام حتى لو أدى ذلك إلى توسيع صلاحيات السلطة.
أما روسو، فينطلق من مقاربة مختلفة تقوم على مفهوم “الإرادة العامة”، حيث لا تكون السيادة ملكاً للحاكم أو للمؤسسات الأمنية، بل للشعب باعتباره المصدر الوحيد للشرعية السياسية. والدولة، وفق روسو، لا تكتسب مشروعيتها من قدرتها على فرض الأمن فقط، بل من تعبيرها عن الإرادة الجماعية الحرة للمجتمع. وبالتالي، فإن أي سلطة تنفصل عن الإرادة العامة أو تخضع لإملاءات خارجية تفقد بعدها السيادي حتى لو احتفظت بأدوات القوة الرسمية.
في الحالة اللبنانية، يبدو أن السلطة تتجه تدريجياً نحو مقاربة أقرب إلى التصور الهوبسي للسيادة، حيث يجري تقديم “الأمن” باعتباره أولوية مطلقة تبرر إعادة تشكيل الوظيفة الأمنية للدولة، خصوصاً في الجنوب.
فالخطاب الأميركي، الذي عبّر عنه وزير الخارجية الأميركي Marco Rubio، لا يخفي أن الهدف المركزي يتمثل في إزالة ما تصفه واشنطن بـ”تهديد حزب الله”، بما يعني عملياً إعادة تعريف مفهوم الاستقرار في لبنان وفق مقتضيات الأمن الإسرائيلي.
هنا تكمن الإشكالية الأساسية: عندما تصبح وظيفة الدولة محكومة بمنطق الأمن الخارجي، تتحول السيادة من تعبير عن الإرادة الوطنية إلى أداة لإدارة التوازنات الإقليمية. أي إن الدولة لا تعود تمارس سيادتها انطلاقاً من توافق داخلي جامع، بل وفق أولويات استراتيجية تضعها قوى دولية تمتلك النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي.
ومن هذا المنطلق، فإن الاجتماع العسكري الثلاثي في واشنطن لا يمكن النظر إليه كحدث تقني معزول، بل كجزء من مسار يسعى إلى دمج جزء من مؤسسات الدولة اللبنانية ضمن بنية أمنية إقليمية تقودها الولايات المتحدة وتستفيد منها إسرائيل مباشرة. وهذا ما يفسر التحذير الذي أطلقه الأمين العام لـحزب الله الشيخ نعيم قاسم بشأن احتمال النزول إلى الشارع، لأن المسألة بالنسبة إلى الحزب لا تتعلق بخلاف سياسي تقليدي، بل بإعادة تعريف هوية الدولة ووظيفتها السيادية.
وفق القراءة الروسوية، لا يمكن بناء سيادة حقيقية في لبنان من خلال فرض تصور أمني أحادي على مجتمع منقسم حول تعريف العدو ومفهوم المقاومة وحدود العلاقة مع الخارج. فالسيادة، في معناها السياسي العميق، ليست مجرد احتكار للقوة، بل تعبير عن إرادة عامة جامعة. وعندما تغيب هذه الإرادة، تصبح الدولة معرضة للتحول إلى ساحة صراع بين مشاريع متناقضة تتنازع القرار الوطني.
لذلك، تبدو الأزمة اللبنانية الحالية أزمة سيادة بامتياز: بين دولة تسعى إلى تثبيت شرعيتها عبر منطق الأمن والاستقرار وفق المقاربة الهوبسية، ومجتمع لا يزال جزء واسع منه يرى أن الشرعية لا تُختزل بالأمن، بل ترتبط أيضاً بالاستقلال الوطني ورفض إخضاع القرار اللبناني لمعادلات القوة الخارجية.
ويبقى السؤال الأخطر في المشهد اللبناني اليوم: هل يتجه لبنان نحو إعادة إنتاج مفهوم السيادة بوصفها وظيفة أمنية مرتبطة بحماية النظام الإقليمي الجديد، أم أن الانقسام الداخلي حول تعريف العدو والمقاومة سيمنع قيام “إرادة عامة” قادرة على إعادة تأسيس الدولة على قاعدة وطنية جامعة؟ وبصيغة أكثر عمقاً: هل نحن أمام دولة تعيد تنظيم أدواتها السيادية، أم أمام تحوّل تدريجي يجعل القرار اللبناني جزءاً من هندسة أمنية إقليمية تُعاد فيها صياغة العدو وفق المصالح الأميركية ـ الإسرائيلية لا وفق التوافق الوطني اللبناني؟

