مجدل زون نموذج.. المطلوب شطر لبنان إلى قسمين

-حسن الدّر-

عند استقباله رئيس التيار جبران باسيل قال له: “الاتفاق كأنه لم يكن”، وأطلعه على صورة لبلدة مجدل زون بعد التفجير الكبير الذي نفّذه جيش العدو وسط البلدة وقال: “إسرائيل” شطرت مجدل زون الى قسمين”..

ربّما كان الرئيس برّي يشير، بطريقة غير مباشرة، إلى خطورة التفخيخ الأكبر الذي تضمّنه اتفاق الاطار في واشنطن والذي سيؤدّي، إذا طبّق، إلى شطر لبنان إلى قسمين، ودإدخاله في متاهة الفتنة العمياء، وهو الوصف الذي أضفاه بري على الاتفاق في أوّل تعليق مقتضب على عليه.

ثمّ نقل زوّار بري عنه وصفه الاتفاق بالمؤامرة، وأنّ الذين وافقوا عليه “تورّطوا في أمر كبير، وإذا كانوا يعتقدون أن الاتفاق سيمر في المؤسسات الدستورية، فهم لا يعرفون أنهم سيواجهون نبيه بري وكتلة نيابية كبيرة”..
مواقف الرئيس بري أربكت الرئيس عون ووضعته أمام مواجهة لم يكن يتوقّع حدّتها، ربّما لأنّه استعجل الاستثمار على مخرجات عمليّة طوفان الأقصى، وظنّ بأنّ الظّروف الرّاهنة تتيح له الانخراط بالكامل في المشروع الأمريكي بظنّه أنّ المقاومة خسرت الحرب عسكريا، ويجب توظيف نتائجها داخليّا، وهذه قراءة متسرّعة وقاصرة لطبيعة لبنان وتركيبته وتشابك علاقاته الإقليمية والدولية.
وأخطأ عون أكثر في فهم نبيه بري، ولم يميّز بين مرونته السياسية وصلابته السياديّة، فالرجل المتربّع على دهر من الحروب والتسويات، والذي قال في ثمانينات القرن الماضي، مخاطبًا أرباب المشروع الذي يتبناه عون اليوم: “فسّروا تواضعنا دِعة، وطيبتنا تخلّفًا”، ظنّ بأنّ برّي يميل مع رياح التوازنات وقد يتخلّى عن تاريخه في مقارعة المشروع الصهيوني لمجرّد خسارة بعض النقاط في معركة على طريق صراع طويل!
الظروف تغيّرت، وموازين القوى تبدّلت، هذا صحيح، ولكن الثوابت الوطنية راسخة، ونبيه بري لا يمكن أن يقبل باتفاق يخالف طبيعة الأشياء، فاتفاق واشنطن يعبث، ليس فقط بتوازنات الداخل، بل بمفاهيم الصراع، فأصبحت معه المقاومة هي سبب الإحتلال، وزواله مرتبط بنزع سلاحها وليس بالاحتلال نفسه، ويعلّق انسحاب العدو من الجنوب على تفكيك بنية المقاومة فضلا عن ترتيبات أمنية تمسّ بكرامة الجيش اللبناني الذي سيخضع في نهاية المطاف إلى تقييم جيش العدو على أرض لبنان.
هذه الصيغة مخالفة لتعريف اتفاق الطائف للاحتلال، ولمفهوم السيادة، فالخطاب السياسي اللبناني، منذ اتفاق الطائف، ربط السيادة بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، أما الاتفاق الحالي، فيربط السيادة بنزع سلاح المقاومة، وهذا انقلاب من خارج منطق القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والدستور اللبناني، ومخالفة لقوانين الطّبيعة.
وأمام ما ورد في الاتفاق يصبح لبنان بين خيارين:
إمّا تورط الجيش بتنفيذ مندرجاته ما يعني حكمًا الدخول في نفق الفتنة والانقسام، وإمّا بقاء الاحتلال وتحمّل تبعاته إلى أن يتمّ نزع سلاح المقاومة، وهي مهمّة مستحيلة.
ولأنّ كلا الخيارين مرّ، تبدو مهمّة الرّئيس برًي أكثر تعقيدًا وصعوبة، فهو الحريص على وحدة البلاد والعباد، حرصه على سيادة لبنان و تحرير أرضه، وهو هنا يسير على حدّ السّيف، وأي خطوة ناقصة تضعنا أمام حريق لا ينتهي.
“اتفاق واشنطن أسوأ من اتفاق ١٧ أيار بعشر مرّات”، هكذا علّق الرئيس بري أيضًا، وإذا كان الأقل سوءً استوجب انتفاضة ٦ شباط لإسقاطه، فإنّ ظروف اليوم اختلفت عن ظروف ١٩٨٤، ولكن هذا لا يعني الرضوخ للإملاءات الأمريكية والإسرائيليّة، بل يستوجب انتفاضة وطنيّة ناعمة يقودها بري بخبرة وحكمة وحنكة يصعب على غيره فكّ رموزها، وعندما يسأل عن كيف ومتى، يجيب، حسب زواره، “اتفاق واشنطن كأنّه لم يكن، والمهم عندي حفظ السلم الأهلي”.
يحرص الرئيس الشيعي العربي المقاوم على طمأنة باقي المكونات اللبنانيّة والأخوة العرب بتمسّكه باتفاق الطائف، ويعمل على الاستفادة من مسار إسلام آباد بما يحفظ سيادة لبنان على قراره وكامل أراضيه، ويسعى إلى حفظ المقاومة وإنجازاتها وتضحيات أهلها وعودتهم إلى قراهم المدمّرة ليعاد بناؤها.
تبدو المهمّة مستحيلة، ويبدو نبيه بري واقفًا وسط تشريكة ألغام معقّدة، لكنّه أيضًا، نبيه بري، حلّال المشاكل وصمّام الأمان، ودستور لبنان!

Leave A Reply