بين ضمور لودريان وظهور البخاري: ما العمل بعد الآن؟

كتبت صحيفة “الأخبار” تقول:

ليست نتائج لقاءات الموفد الفرنسي الخاص جان ايف لودريان والمواقف المُدلى بها او التي نقلت عنه كافية وحدها للحكم على ان لا انتخاب وشيكاً للرئيس. قد يستغرق الانتظار وقتاً طويلاً بعد، اكثر من نهاية السنة الحالية

ما انتهى اليه الموفد الفرنسي الخاص جان ايف لودريان هو نفسه ما كان يتوقعه الافرقاء اللبنانيون الذين تحدّث معهم وعوّل على احتمال إحداث اختراق في جدار تصلبهم جميعاً، وأخفق. ليست حصيلة لقاءاته وجولاته وذهابه الى حيث هم، الا اعادة تأكيد احجام القوى وفيتواتها المتبادلة، وتالياً صعوبة تمكّنه بمفرده ـ كما دولته من بين الدول الخمس ـ من فرض شروط وقواعد جديدة تقود الاستحقاق الرئاسي اخيراً الى الانجاز، اياً يكن الرئيس المنتخب.

تحرّكه احد ابرز احداث الايام الثلاثة المنصرمة وليس بطلها وحده. حدثان آخران لا يقلان اهمية في توقيتهما ومضمونهما تزامنا معه: زيارة رئيس كتلة نواب حزب الله محمد رعد لبنشعي ومقابلته الوزير السابق سليمان فرنجيه، واجتماع لودريان والسفير السعودي وليد البخاري ومفتي الجمهورية الشيخ عبداللطيف دريان والنواب السنّة في دار السفارة. لا عنوان للنشاطات الثلاثة تلك المتقاطعة سوى: «ما العمل بعد الآن؟». ليس تقاطع الاحداث الثلاثة هذه في تزامنها فحسب، بل كذلك في قاسم مشترك واحد على الاقل يكون جمع بينها هو: هل من سبيل الى انتخاب رئيس للجمهورية؟:

1 ـ لا تزال ثمة حاجة الى دور لباريس حيال الانقسام الداخلي في معزل عن قدرته على النجاح. ليست سوى اداة تواصل ضرورية بين الدول الخمس وحزب الله، كما بين الحزب والافرقاء الآخرين المناوئين له. وحدهم الفرنسيون من بين الدول الخمس يتواصلون معه، فيما لا يفعل الشريكان الآخران الاوسع تأثيراً في الخماسية وهما الاميركيون والسعوديون. اضف ان هؤلاء يفضّلون الفرنسيين في واجهة الوساطة، دونما ان يعني ذلك انها تملك مفتاح الحل والقادرة على حمل الافرقاء جميعاً الى انتخاب رئيس للجمهورية.

2 ـ لا موعد قريباً لجلسة ثالثة عشرة لانتخاب الرئيس. في احسن الاحوال يعارض حزب الله موعدها في الاسابيع القليلة المقبلة، ويفضّل تأخيرها الى ابعد وقت ممكن. سبب واحد يعزوه الى حجته هذه هو رغبته في عدم احراج رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل والرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط بموعدها: الاول قبل التوصل الى اتفاق الحد الادنى معه في الاتصالات الدائرة بينهما حيال تحالفهما ومقتضياته ومنها مرشحهما معاً للرئاسة، والثاني عدم تبديد انفتاحه المعلن على حوار يقوده رئيس المجلس نبيه برّي وتمسكه بانتخاب رئيس تسوية. اي موعد جديد او قريب لجلسة الانتخاب يعيد باسيل الى التصويت للوزير السابق جهاد ازعور، ويربك جنبلاط حيال المفترض انهم حلفاء له في الاستحقاق، وكان انتقد اخيراً رفضهم الجلوس الى طاولة واحدة مع الثنائي الشيعي. كلاهما يبدوان الآن، خلافاً لما نجم عن جلسة 14 حزيران، في الوسط بين حزب الله وخصومه. ما يحبّذه الحزب في الوقت الحاضر، وهو يعي تماماً ان اصراره على تأجيل انعقاد المجلس محرج لحليفه رئيس البرلمان، الذهاب الى حوار يستنزف مزيداً من الانتظار والوقت.

3 ـ مع تمسكه بترشيح فرنجيه وتأكيده مرة تلو اخرى انه لا يستغني عنه، بيد ان مقاربته اياه انه جزء من المعضلة وليس كلها. ليس انتخاب حليفه الزغرتاوي هدفاً في ذاته وهو يعرف انه ضمان فعلي له وموثوق به في رئاسة الجمهورية. تكمن المعضلة الفعلية، في مناسبة انتخاب الرئيس، في ان حزب الله يطلب ما لم يطلبه قبل الآن او جهر به تماماً، وهو حصوله على نصف الدولة العميقة. المحسوب لديه ان الاميركيين هم الذين ورثوا من السوريين بعدما غادروا البلاد الدولة العميقة في لبنان بدءاً برئاسة الحكومة وصولاً الى المناصب الرئيسية الكبرى الاوسع تأثيراً. ذلك ما يصح على قيادة الجيش وحاكمية مصرف لبنان ومجلس القضاء الاعلى ومديرية المخابرات وقوى الامن الداخلي وفرع المعلومات. اضحى الاميركيون الاكثر فاعلية في تعيين هؤلاء وتوجيههم، فيما يمتلك حزب الله في المقابل قوته في الشارع. ما بات يعنيه منذ الآن انه يريد ان يكون شريكاً للاميركيين في الدولة العميقة اللبنانية ما دام يتعذّر عليه منعه من تدخلهم فيها او طردهم منها.

4 ـ لم يُفصَح الكثير عما دار في اجتماع بنشعي بين رعد وفرنجيه، مع ان الشائع ان يؤكد الاول للثاني تشبث حزب الله بترشحه. ليس معلوماً ان رئيس كتلة نواب الحزب هو ضابط الارتباط مع فرنجيه، وهي المهمة المنوطة بمسؤوليْن آخرين فيه هما حسين خليل ووفيق صفا. بيد ان المؤكد ان الزيارة المفاجئة غير المعتادة في مرحلة اختار فرنجيه فيها الاحتجاب الى حد، توخت رد الاعتبار الى الحليف بعد الكثير من الشكوك التي حامت من حول لقاء رعد بقائد الجيش العماد جوزف عون وما نقل عن الموفد الفرنسي ان الاوان قد حان للخوض في مرشح ثالث. كان رعد من بين مَن قصدهم لودريان في مقارهم في حارة حريك، وسمع منه تأكيداً مضاعفاً على الاستمرار في ترشيح فرنجيه. ما يعترف به حزب الله ـ كذلك المرشح نفسه ـ ان ترشيح فرنجيه بلغ بدوره المأزق. يصعب الوصول الى انتخابه في جلسة لمجلس النواب، وتصعب اكثر اي محاولة للتحاور من اجل تكريسه واستقطاب غالبية الثلثين الى الاتفاق على القبول بترشحه. 5 ـ سواء في موقعها بين الدول الخمس او في اللقاءات التي يجريها البخاري في الرياض او في باريس كما تحركها في الداخل، اعادت السعودية تأكيد شراكتها الفعلية في انتخاب الرئيس. كالاميركيين، من دونها لا ثلثان في اي جلسة انتخاب. اجتماع الخميس في سفارتها في حضور 20 نائباً سنيّاً الى المرجعية الدينية الاولى للطائفة في لبنان قدمت دليلاً اضافياً على تأثيرها في الاستحقاق. في جلسة 14 حزيران احجم النواب السنّة المتأثرون بالرياض عن التصويت لازعور. كانت تلك علامة رئيسية الى ان المملكة لم ترسل اليهم ايعازاً، ولم تُرد يومذاك الظهور في مظهر انها معنية بالجلسة او بالمرشح المنافس لفرنجيه. بالتأكيد ينطوي على سذاجة بالغة الاعتقاد بأن التشرذم السنّي الحالي غير مؤهل للانتظام في حبّات العقد السعودي. ما حدث في اجتماع في السفارة في حضور لودريان توجيه العلامة الثانية الرئيسية، وهي اقتراب باريس والرياض احداهما من الاخرى بعدما فرّق بينهما موقفاهما في الاجتماع الاول للدول الخمس في باريس، ثم تقاربا قليلاً في الاجتماع الثاني في قطر. الثلثاء ثالث الاجتماعات في نيويورك ربما يؤذن بتقارب اكثر. الا ان رجليْ الدولتين، لودريان والبخاري، يحضان الآن على الحوار. ابسط استنتاج لفحوى هذا التقارب ان مرشحيْ جلسة 14 حزيران اضحيا من الماضي.

Leave A Reply